اتفاق غزة.. وقفُ إطلاقِ نارٍ من طرف واحد؟
رغم مرور أكثر من ستة أسابيع على دخول اتفاق وقف إطلاق النار في غزة حيّز التنفيذ في 10 تشرين الأول الماضي، تواصل «إسرائيل» تفجير هذا الاتفاق يومياً عبر سياسة ممنهجة لا تنفصل عن أهدافها الاستراتيجية بعيدة المدى.
المشهد الميداني في غزة لا يعكس أي مظهر من مظاهر الهدوء، بل يكشف وقائع قاسية تماثل ما كان عليه الحال قبل الهدنة، مع استمرار الغارات الجوية وعمليات نسف المباني في مختلف مناطق القطاع، في وقت تجاوز فيه عدد الشهداء الفلسطينيين 354 شهيداً منذ بدء سريان الاتفاق. وهذا وحده يكفي للإشارة إلى أن وقف إطلاق النار، بالنسبة لـ«إسرائيل»، ليس سوى مرحلة مؤقتة قبل جولة جديدة من التصعيد.
من آخر الجرائم الكبرى، كان ما حدث شرقي خان يونس جنوب القطاع، حيث أطلقت مسيّرة «إسرائيلية» النار على طفلين عمرهما 10 و12 عاماً كانا يجمعان الحطب لمساعدة والدهما المقعد على التدفئة. هذا الاعتداء الوحشي يمثل جزءاً من نمط إجرامي وحربي ثابت لإفراغ القطاع من أهله. فالفقر والجوع والبرد باتت أدوات «إسرائيلية» مكمّلة للعدوان العسكري، تُستخدم جميعها لدفع سكان غزة نحو التهجير أو الموت.
على المستوى الإنساني، تتكشف الكارثة بشكل أكثر عمقاً، فقد أعلنت «اليونيسف» تسجيل 9300 حالة سوء تغذية حاد بين الأطفال دون سن الخامسة خلال شهر تشرين الأول، محذّرة من أن مستويات سوء التغذية لا تزال مرتفعة بشكل يهدد حياة آلاف الأطفال، ومع دخول الشتاء تتفاقم المخاطر بشكل غير مسبوق. إن هذه المعطيات ليست «مؤشرات إنسانية» مجردة، بل تمثّل الوجه الأكثر فجاجة لسياسة التهجير التي تعمل عليها «إسرائيل» منذ اللحظة الأولى للحرب، إذ يجري خلق بيئة تستحيل فيها الحياة الطبيعية.
بالتوازي، يتضح أن استمرار العمليات العسكرية المحدودة والاغتيالات والاستهدافات اليومية، هدفها عملياً إبقاء باب المعركة مفتوحاً. فالحرب، بالنسبة لـ«إسرائيل» لم تنتهِ، والتصعيد اليومي يسعى للحفاظ على التوتر حاضراً، والتذكير بأن العودة إلى الحرب الواسعة خيار حاضر على الطاولة.
وتستخدم هذه الاعتداءات كاستفزاز مباشر للمقاومة الفلسطينية، بهدف جرّها إلى ردٍّ ميداني واضح، يُتيح لـ«إسرائيل» إعلان انهيار الاتفاق والعودة إلى الحرب الشاملة. ورغم ذلك، التزمت المقاومة التزاماً صارماً بالاتفاق وبنوده، ولم تمنح الاحتلال الذريعة التي يسعى إليها، ليعكس هذا الانضباط السياسي–العسكري حتى الآن قراءة دقيقة لطبيعة المعركة رغم صعوبتها.
إن «إسرائيل» تبذل جهداً لدفع الأوضاع نحو إعادة إشعال الحرب، عبر القتل المستمر، والمجاعات المتصاعدة، والاستفزازات الميدانية اليومية، إلا أن إمكانية تطوّر الأحداث واتجاهها نحو انفجار حرب واسعة مجدداً تبقى رهينة عوامل كثيرة لا يمكن التنبؤ بها الآن، وما بين رغبة الاحتلال في العودة للحرب، وتمسّك المقاومة بعدم الانجرار نحو الفخ، تبقى غزة معلّقة في هدنة هشة لا تُطبَّق ولا تُنهى.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1254
ملاذ سعد