الحرب الإقليمية وسقوط النموذج الإماراتي في أفريقيا
معتز منصور معتز منصور

الحرب الإقليمية وسقوط النموذج الإماراتي في أفريقيا

تُعدّ الإمارات العربية المتحدة من أكثر الدول عرضةً للتداعيات الاستراتيجية للحرب الجارية في المنطقة، والتي بدأتها الولايات المتحدة و«إسرائيل» ضد إيران. ولا يقتصر هذا الخطر على تعرّض الدولة المطلّة على مضيق هرمز لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة، أو الأضرار التي تطال البنية التحتية النفطية والموانئ، بل يمتد ليهدد الأسس التي قام عليها النموذج الإماراتي نفسه.

فالإمارات بنت مكانتها الإقليمية والدولية باعتبارها مركزاً مالياً وتجارياً ولوجستياً محورياً داخل المنظومة الاقتصادية الغربية. لكن هذا الموقع، الذي منحها نفوذاً واسعاً، يجعلها أيضاً عرضةً لارتدادات الصراعات الكبرى التي تخوضها تلك المنظومة. ومع اتساع رقعة التوتر الإقليمي، أصبح الدور الذي تؤديه الإمارات لخدمة المنظومة الغربية مهدداً بشكل غير مسبوق.
وفي هذا السياق، يبرز الملف الأفريقي، ولا سيما منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، كأحد أكثر ساحات النفوذ الإماراتي حساسية. فالدور الذي رُوِّج له إماراتياً على أنه شراكات تنموية واستثمارات اقتصادية، يرتبط في جوهره باعتبارات جيوسياسية أوسع، تتعلق بالسيطرة على الممرات البحرية الحيوية والموارد الاستراتيجية، عبر نشر الفوضى، ودعم الحركات الانفصالية وتهديد استقرار الدول. وفي حال تعرض هذا الدور لهزات قوية نتيجة تداعيات الحرب الإقليمية، فقد يفتح ذلك الباب أمام تحولات عميقة في موازين القوى داخل القارة الأفريقية.


طبيعة الدور الإماراتي في أفريقيا


خلال العقود الماضية، اعتمد النفوذ الإماراتي في أفريقيا على ثلاثة مرتكزات رئيسية: الموانئ، والموارد المعدنية، والمليشيات. لم تكن الاستثمارات الإماراتية في أفريقيا- والتي وضعت الدولة في المرتبة الرابعة عالمياً من حيث حجم الاستثمارات في القارة- مجرد نشاط اقتصادي تقليدي، بل شكلت جزءاً من استراتيجية أوسع لتعزيز النفوذ الجيوسياسي، عبر واجهة اقتصادية.
وقد تمحورت هذه الاستراتيجية حول التحكم في الموانئ والممرات البحرية المحيطة بالقارة. فالإمارات عملت على بناء شبكة واسعة تمتد من البحر المتوسط في الشمال (مصر والجزائر)، مروراً بالمحيط الأطلسي في الغرب (السنغال وغينيا والكونغو وأنغولا)، وصولاً إلى المحيط الهندي شرقاً (موزمبيق وتنزانيا وكينيا)، مع تركيز خاص على منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي، التي تمثل شرياناً أساسياً للتجارة العالمية.
وقد جرى تنفيذ هذه السياسة عبر شركات لوجستية كبرى، مثل: موانئ دبي العالمية، ومجموعة موانئ أبو ظبي، اللتين تحولتا إلى أدوات مركزية في توسيع الحضور الإماراتي في البنية التحتية للنقل البحري.
بالتوازي مع ذلك، اتجهت الإمارات إلى الاستثمار المكثف في قطاع التعدين الأفريقي، مع تركيز واضح على المعادن الاستراتيجية، مثل: الكوبالت والليثيوم والنحاس، وهي معادن أساسية في الصناعات التكنولوجية والطاقة المتجددة.


الجانب المظلم: تهريب الثروات وزعزعة الاستقرار


إلى جانب الاستثمارات الرسمية، برزت انتقادات دولية متزايدة للدور الإماراتي في بعض الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالموارد الطبيعية الأفريقية.
فقد تحولت دبي خلال السنوات الأخيرة إلى أحد أكبر مراكز تجارة الذهب في العالم، حيث تستورد كميات ضخمة من الذهب، تتجاوز في بعض الأحيان الإنتاج المعلن للدول المصدرة. وقد أثار ذلك اتهامات بوجود شبكات لتهريب الذهب وغسل الأموال، خاصة من دول مثل: أوغندا ورواندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية.
ويتجلى الجدل الأكبر حول الدور الإماراتي في السودان، حيث تشير تقارير متعددة إلى أن كميات كبيرة من الذهب السوداني نُقلت إلى الإمارات خلال السنوات الماضية، في ظل الصراع بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع.
ويرى بعض المحللين، أن هذا التداخل بين الاقتصاد غير الرسمي، والصراعات المسلحة، ساهم في تعقيد المشهد السوداني، حيث تحولت الموارد الطبيعية إلى أحد مصادر تمويل الفاعلين المسلحين.


الحرب الإقليمية وانقطاع خطوط الدعم


أظهرت التطورات الأخيرة في المنطقة هشاشة أبعاد هذا النفوذ. ففي تطور لافت، شن الجيش السوداني عمليات عسكرية واسعة ضد قوات الدعم السريع في ولاية كردفان. ويرى بعض المحللين، أن تغيّر موازين القوى الميدانية يعود
جزئياً إلى صعوبات لوجستية الناتجة عن التوتر الإقليمي، أثرت على قدرة الامارات على إيصال الدعم اللوجستي والوقود والذخيرة لحلفائها داخل السودان.
وتكشف هذه التطورات عن نقطة ضعف بنيوية في نموذج النفوذ الإماراتي؛ إذ يعتمد بدرجة كبيرة على شبكة من العلاقات غير الرسمية والتحالفات المحلية، التي تبقى بطبيعتها عرضة للانهيار عند حدوث صدمات كبيرة. مع هذا النموذج القائم على الابتزاز، فعندما حاولت جيبوتي إنهاء التعاقد الإماراتي لأحد موانئ جيبوتي، صدرت تصريحات عنصرية وقحة عن رئيس مجلس إدارة موانئ دبي العالمية سلطان أحمد بن سليم- الذي أقيل لاحقاً بسبب فضائح إبستين– إذ قال: «جعلنا من الجيبوتيين بشراً، ولكننا سنرجعهم كما كانوا».


النتائج المحتملة: تغير موازين القوى


إن إطالة الحرب واستمرار الهجمات على الامارات، يفتح الباب واسعاً لخسائر كبيرة قد تؤثر على استقرار الإمارات نفسها، التي سمحت لها المنظومة الغربية أن تكون ما أصبحت عليه مقابل الخدمات التي قدمتها، وفي حال عدم قدرتها على تنفيذ نفس المهام ستخسر مكانتها في المنظومة، التي تعاني من تراجع حاد، ووجودها في المنطقة أصبح محل شك كبير، يمكن وضع مجموعة أولية من النتائج لتداعيات الحرب على الإمارات ودورها في أفريقيا.
تشكل الحرب الجارية في المنطقة اختباراً حقيقياً للنموذج الإماراتي، الذي بُني على الجمع بين النفوذ الاقتصادي والتموضع الجيوسياسي داخل المنظومة الدولية. وقد أتاح الاستقرار النسبي في العقود الماضية للإمارات توسيع حضورها في مناطق استراتيجية، مثل: القرن الأفريقي والبحر الأحمر.
لكن مع تصاعد التوترات الإقليمية، بات هذا النموذج يواجه ضغوطاً متزايدة. وإذا ما أدت هذه التحولات إلى تقليص النفوذ الإماراتي في أفريقيا، فإن ذلك لن يغير فقط موازين القوى في القرن الأفريقي، بل سيفرض أيضاً إعادة تعريف لدور الإمارات داخل النظام الإقليمي والدولي.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1269