انقلاب غينيا بيساو... مسرحية سياسية أم تحوّل في غرب أفريقيا؟
شهدت غينيا بيساو، الدولة الصغيرة الواقعة في غرب أفريقيا، تطورات مهمة يوم الأربعاء 26 تشرين الثاني 2025، حين أعلنت مجموعة من ضباط الجيش عزل الرئيس عمر سيسكو إمبالو والسيطرة على السلطة، وذلك بعد أيام قليلة فقط من إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في 23 من الشهر نفسه.
وأفادت تقارير بأن الجيش اعتقل إمبالو، إلى جانب قائد القوات المسلحة الجنرال بياجي نا نتان، ووزير الداخلية بوتشي كاندي، وعشرات من المسؤولين والسياسيين الآخرين. وجاء الانقلاب في لحظة حساسة، إذ كان من المفترض أن تُعلن النتائج الرسمية للانتخابات خلال الساعات اللاحقة، بعد أن أعلن كل من المعارضة «بقيادة المرشح فرناندو دياس» والرئيس إمبالو فوزهم في الانتخابات.
في 27 تشرين الثاني، أدّى الجنرال هورتا نتام، المستشار الأمني السابق لإمبالو، اليمين الدستورية كرئيس انتقالي، نيابة عما أُطلق عليه «القيادة العسكرية العليا لاستعادة الأمن الوطني والنظام العام»، مُعلناً عن فترة انتقالية مدتها عام واحد. وفي اليوم التالي (28 تشرين الثاني)، عيّن نظام الحكم الجديد إليديو فييرا تي، وزير المالية السابق في حكومة إمبالو، رئيساً للوزراء.
من جهته، غادر إمبالو غينيا بيساو في 27 تشرين الثاني إلى السنغال، حيث ساهمت الوساطة السنغالية في تأمين إطلاق سراحه بعد اعتقال موجز. ثم غادر إلى برازافيل عاصمة جمهورية الكونغو الديمقراطية على متن طائرة خاصة. وفي غضون ذلك، فرض الجيش حظراً للتجول، وأغلق الحدود، وتولّى السيطرة على المطار والموانئ والإذاعة الرسمية، وعلّق العملية الانتخابية برمتها.
يُعد هذا الانقلاب التاسع في تاريخ غينيا بيساو منذ استقلالها عن البرتغال عام 1974، والرابع الذي ينجح في حسم السلطة فعلياً. ويأتي ضمن سياق تاريخي من عدم الاستقرار السياسي، حيث لم تنفع السيطرة الأحادية لفرنسا على هذه المنطقة من حدوث الانقلابات، أو تحقيق الاستقرار السياسي. وفي المقابل أعلنت كل من الأمم المتحدة، والاتحاد الأفريقي، والولايات المتحدة، والبرتغال، ومجموعة «إيكواس» (التي علّقت عضوية غينيا بيساو فوراً) إدانتها الصريحة للانقلاب، مؤكدةً على ضرورة العودة السريعة إلى الشرعية الدستورية.
تدخل الخارجي أم المناورة الداخلية؟!
يختلف المحللون حول دوافع وخلفيات هذا الانقلاب، الرواية الأولى تشير إلى أن التحرك العسكري جاء بدعم خارجي، تحديداً من فرنسا، التي ترى في توجهات إمبالو المتزايدة نحو روسيا والصين تهديداً لمصالحها في المنطقة. وكان إمبالو قد أعلن صراحةً عن خطط لتنويع الشراكات الدولية، بما في ذلك التعاون مع موسكو في مجالات الأمن ومكافحة الانقلابات، واستثمار الموارد الطبيعية. وغالباً ما يُنظر إلى هذه الخطوة على أنها تحدٍّ لسياسة «الفرنكوفونية» التقليدية التي ما زالت فرنسا تُمسك بمفاتيحها في غرب أفريقيا.
في المقابل، تذهب الرواية الثانية إلى أن الانقلاب لم يكن سوى مناورة داخلية تقودها أطراف موالية لإمبالو، تهدف إلى منع وصول المرشح فرناندو دياس إلى السلطة. ويُشير مؤيدو هذه الفرضية إلى أن دياس عزّز علاقاته مؤخراً مع فرنسا والبرتغال. وكذلك يُشيرون إلى أن إمبالو نفسه، خلفيته عسكرية، وله علاقات وثيقة مع عدد من القادة في دول «كونفدرالية الساحل»، ما يجعل قراءة الأحداث أكثر تعقيداً.
السياق الإقليمي: غرب أفريقيا على صفيح ساخن
ما يحدث في غينيا بيساو لا يمكن فصله عن التحولات الواسعة التي تشهدها منطقة غرب أفريقيا، التي لم تعد «الحديقة الخلفية» لفرنسا كما في العقود الماضية. المنطقة التي تشهد تحديات مشتركة، أهمها: تحقيق استقرار سياسي، والبدء بطريق النمو والتنمية بالجانب الاقتصادي، والأهم: وضع حد للتهديدات الأمنية التي تقودها جماعات انفصالية ومتشددة، ما يظهر أهمية التكامل بين دول المنطقة، والعمل المشترك لمواجهة هذه التحديات. ففي مالي، تصاعدت هجمات جماعات تابعة لتنظيمَي القاعدة و«داعش» في المنطقة، ووصلت إلى حد محاولة فرض حصار على العاصمة باماكو، خاصة في قطاع المحروقات، قبل أن يكسر الحصار بمساعدة الدول المجاورة، ودعم روسي لضمان وصول مستقر للمحروقات للعاصمة.
ارتفاع مستوى النشاط العسكري لم يقتصر على مالي، بل امتد ليشمل النيجر، ووصولاً إلى نيجيريا التي تتعرض لضغوطٍ دولية متزايدة من واشنطن، بشأن ما تصفه الإدارة الأمريكية بـ«التقاعس في حماية الأقليات المسيحية» في الشمال، حيث تنشط مليشيات «بوكو حرام» و«أنصار الدين». وجاء التهديد العلني من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالتدخل العسكري في نيجيريا.
لا يمكن تحديد طبيعة ما جرى في غينيا بيساو حتى الآن، لكننا نعرف أن منطقة غرب أفريقيا تعيش فترة حاسمة من تاريخها، فشكّلت دول كونفدرالية الساحل مركز استقطاب حقيقي، غيّر التوازن بشكلٍ كبير، لكن ذلك لا يعني أن الولايات المتحدة وفرنسا لا تحاولان تغيير الواقع الجديد، ووأد هذا التوجه في مهده، الأيام القليلة القادمة ستكشف الاتجاه العام للأحداث في غينيا بيساو، وما يعنيه ذلك لكامل منطقة غرب أفريقيا.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1254
معتز منصور