جنون الأسعار في الأسواق السورية غير مبرر... المفقرون من إدارة الموارد إلى إدارة الجوع!
رهف ونوس رهف ونوس

جنون الأسعار في الأسواق السورية غير مبرر... المفقرون من إدارة الموارد إلى إدارة الجوع!

مشهدٌ يتجاوز ذريعة «الموسمية»، فالأسواق السورية تعصف بها موجة غلاء جديدة طالت العديد من السلع الغذائية الأساسية وذلك في ظل أوضاع اقتصادية معقدة ترهق السوريين وتنعكس مباشرة على أوضاعهم المعيشية المتردية أساساً.

تحولت الأسواق اليوم إلى ساحة مفتوحة للاستغلال وجشع التجار أمام حكومة تتفرج ورقابة مغيبة تحت شعار «السوق الحر التنافسي» مما يضاعف معاناة الغالبية المفقرة، التي باتت عاجزة عن تأمين أبسط احتياجاتها للعيش بكرامة.
فالغلاء تجاوز كل المبررات الرسمية التي تدعي «المنطقية» ملتهماً ما تبقى من القدرة الشرائية، كما يؤدي الاستمرار بذلك إلى زيادة معدلات التضخم مما يعمق التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي يواجهها السوريون في حياتهم اليومية.

في جولة على بعض الأسواق في دمشق وريفها تم تسجيل غلاء الأسعار بوتيرة سريعة الأسبوع الفائت بالمقارنة مع بداية رمضان، إذ ارتفعت أسعار بعض السلع نحو 50%.
فتراوح سعر كيلو الدجاج بين 34-39 ألف ل.س بينما كان مع بداية شهر رمضان نحو 25 ألف ل.س، أما كيلو شرحات الدجاج وصل إلى 70 ألف ل.س بعدما كان 45 ألف ل.س، أما كيلو لحم الغنم تراوح بين 200-230 ألف ل.س بعدما كان 180 ألف ل.س.
والخضار لم تكن بمنأى عن موجة الغلاء، إذ سجل سعر كيلو البندورة 20 ألف ل.س بعدما كان في بداية شهر رمضان وخلال الأسبوع الماضي يتراوح بين 10-12 ألف ل.س، أما كيلو الخيار والفليفلة فسجلا سعر 18 ألف ل.س بينما كان سعرهما 11 ألف ل.س، أما كيلو الليمون فتجاوز سعره 25 ألف ل.س بعدما كان يباع نحو 15 -18 ألف ل.س، وحتى الورقيات شهدت ارتفاعاً، فسعر حزمة البقلة بين 8-10 آلاف ل.س، كذلك الألبان ومشتقاتها ارتفعت بنسبة 30%، فسعر كيلو الجبنة البلدية تراوح بين 45-50 ألف ل.س، وأكد عدد من الباعة تراجع حركة البيع بنسبة كبيرة واقتصار الناس على شراء عينات صغيرة.
هذه الموجة السعرية ليست مجرد ارتفاع موسمي بل تضخم هيكلي واستغلالي، حيث قفزت الأسعار بشكل غير مسبوق لتسجل أرقاماً تفوق قدرة المواطن على التحمل.

وعند الحديث عن الأسباب، فهي لا تتوقف عند صدمة العرض مقابل زيادة الطلب الموسمية التي قد تضغط تصاعدياً على الأسعار، فهناك سلع مُنتجة محلياً ومتوفرة (فلا يعد ذلك تبريراً)، ولا عند ضعف الإنتاج المحلي لعوامل طبيعية وارتفاع تكاليف المدخلات مما يبرر هذه الزيادة السعرية الكبيرة، كما لا تُبرر بارتفاع تكلفة الإنتاج وارتباطها بأسعار المحروقات التي تنهب جيب المزارع وتُفقِر المواطن في السعر النهائي أمام أرباح طائلة لسلسلة من حلقات الوساطة والاستغلال، كذلك لا تفسر بتقلبات سعر الصرف الذي يحافظ على استقرار نسبي لكنه يبقى الشماعة الرسمية في كل مرة، ومع عدم نفي تأثير هذه العوامل بالإضافة إلى التوترات في المنطقة وتأثيرها على اضطراب سلاسل التوريد وتكاليف الطاقة والنقل والشحن، لكن بشكل تراكمي وتدريجي، لا بقفزات سعرية غير منطقية وبهوامش زمنية قصيرة أسبوعية وحتى يومية!
بالمقابل فإن العامل الأهم (المُتجاهل رسمياً) يكمن بغياب آليات التدخل الفعال وآليات السوق غير المنضبطة مع الاعتماد على سياسة السوق الحر، بالتوازي مع غياب الرقابة الفعالة على أسواق الجملة والتجزئة، مما يفسح المجال أمام حيتان السوق للاستغلال والاحتكار والمضاربة على الأسعار والتهام أكبر قدر من الأرباح، وتحريك السوق وفق التسعير «المزاجي» بلا حسيب أو رقيب لتصب الزيادات الكبيرة في جيوب حيتان الأرباح نهباً وإفقاراً لفلاح يتقاضى ثمناً لا يغطي التكلفة ومواطن يصبح همه أن ينجو يما يسد الرمق.

والانعكاس الأكثر قسوة على حياة المواطن هو بانهيار قدرته الشرائية أمام أجور غير قادرة على مواكبة هذا الارتفاع الجنوني، فما يحدث اليوم لم يعد مجرد تغيرات رقمية تسجل على لوائح التسعير بل تحول إلى عامل ضاغط يعيد تشكيل أولويات الأسر وأنماط إنفاقها اليومي لتتسع تدريجياً ظاهرة «فقر الغذاء» كتقليص الوجبات والاستغناء عن عدة أصناف والتحول نحو سلع أرخص وأقل جودة وأحياناً مجهولة المصدر، وذلك في ظل اتساع الفجوة بين مستويات الدخل وتكاليف المعيشة، وهنا تتآكل فكرة الحد الأدنى، فلم يعد المقصود به مستوى معيشي شبه لائق بل مجرد حياة بالكاد تمنع الموت جوعاً، وربما فقدت هذا المعنى حتى!
قلّ الإقبال على الشراء بنسب وصلت إلى 40% كما حدث بداية شهر رمضان، مما يعكس حالة الركود التضخمي حيث يجتمع ارتفاع الأسعار مع كساد السوق.
ومع هذه الأوضاع يُدفن أي أمل في تحسن المستوى المعيشي وتزيد معدلات الفقر والبطالة.

فبين تاجر يستغل الموسم لملء جيبه وحكومة تتفرج تحت شعار تحرير الأسعار، يجد المواطن نفسه أمام خيارين أحلاهما مر؛ إما الجوع أو المزيد من الاستدانة «المسقوفة والمستنزفة».
كل المبررات الرسمية وغير الرسمية تسقط أمام واقع أن هذه الزيادات السعرية تأتي في وقت يتراجع فيه الإقبال على الشراء، مما يعني أن اللعبة أكبر من العرض والطلب بل عقلية استغلال ونهب لبطون لا تشبع، لتتحول السلع الأساسية إلى وقود لجشع لا يرحم.
والمطلوب اليوم ليس جولات رقابية للبهرجة الإعلامية ولا نشرات سعرية لا يلتزم بها أحد، ولا إدارة ارتجالية للأزمة، بل استراتيجية وطنية، تبدأ بكسر احتكار المستوردين وتمر بضبط هوامش الربح لحلقات الوساطة التي تلتهم 50% من السعر، ولا تنتهي بقوانين ردع حقيقية وآليات رقابة فعالة في وجه حيتان السوق التي لا تعرف للرحمة طريقاً، والتحرك العاجل لإنقاذ الفقراء الذين باتوا يعانون الجوع، لا الفقر فقط!

معلومات إضافية

العدد رقم:
1269