الخبز... فسادٌ وسوقٌ سوداء وطوابير طويلة!
يعيش السوريون مفارقة صارخة؛ تصريحات رسمية تؤكد تغطية الأفران للإنتاج المحلي (4,4 مليون ربطة يومياً)، في المقابل يقف المواطنون ساعات في طوابير أمام الأفران، وتنتعش سوق سوداء للخبز بفارق سعري يصل إلى 150%.
واللافت في المشهد أن رفع الدعم عن الخبز، الذي كانت إحدى مبرراته مكافحة الفساد والاتجار، لم يحد من الظاهرة، بل ضاعف من حجم الاستغلال.
فبينما كان سعر الربطة 400 ليرة، وكانت تُباع في السوق السوداء ما بين 600 إلى 1000 ليرة، أصبحت تُباع الآن ما بين 6000 و10,000 ليرة. أي إن هامش الربح للمتاجرين تضاعف بمقدار 10 أضعاف، ما يشير إلى أن السياسات السعرية وحدها لا تحل مشكلة الفساد.
فقد كشف تقرير هيئة الرقابة في 22 شباط عن اختلاس ملياري ليرة في مخبز واحد فقط (ما يعادل 171 ألف دولار)، والفساد طال المحروقات ومجمل مدخلات الإنتاج، من طحين، وخميرة، وصيانة، إلخ.
وهذا يعني أن أزمة الخبز ليست مجرد «أزمة دعم»، بل أزمة إدارية وهيكلية في المؤسسة العامة للمخابز نفسها.
وبحسب محمد الصيادي، مدير عام المؤسسة السورية للمخابز، يعمل في سورية 1416 مخبز ما بين عام وخاص، فإذا افترضنا أن 10% فقط من المخابز العاملة في عموم سورية ينخره الفساد، هذا يعني أن المؤسسة تخسر ما لا يقل عن 24 مليون دولار وفق معايير المخبز الذي طالته يد الرقابة!
افتعال الأزمة
الظاهرة اليوم أسوأ من السابق وأكثر استغلالاً للفقراء تحديداً. فمع رفع الدعم، أصبح الخبز يستهلك نسبة أكبر من دخل الأسرة الفقيرة.
فعندما يضطر المواطن لدفع 8000 آلاف ليرة للربطة، أي ضعف السعر الرسمي، فهذا يعني حرمانه من سلع أساسية أخرى. كما أن الطوابير الطويلة تمثل ضريبة وقت يدفعها الفقراء.
بينما يحقق خلق الأزمة عبر حجب السلعة لخلق زيادة طلب في السوق السوداء أرباحاً مضاعفة من بيع الخبز مرتين؛ مرة كمواد أولية مسروقة، ومرة كمنتج نهائي.
الإشكالية القانونية والرقابية
صرّح أمين سر جمعية حماية المستهلك، عبد الرزاق حبزة، «للثورة السورية» في الأول من آذار، بأن الإتجار بالخبز «جريمة يجب التحقيق فيها قضائياً تحت بند الغش والتدليس».
إلا أن المسألة ليست مجرد «مخالفة تموينية» يمكن تسويتها بغرامة، بل هي سرقة للمال العام، واحتكار وخلق أزمة مصطنعة، وغش وتدليس للمواطن. أي إن الفساد ما زال «ممنهجاً».
فما يحدث في سوق الخبز هو ريع وفساد مؤسسي يشمل كامل سلسلة الإنتاج؛ حيث يسمح ضعف الرقابة بتحويل فرق الأسعار إلى أرباح خاصة، عبر اتفاقات بين المخابز والبائعين وشبكات السوق السوداء.
ما يتطلب أكثر من مجرد تصريحات هنا وهناك حول الضبوط والمراقبة، والتوجه نحو تفكيك شبكات الفساد القديمة/الجديدة داخل المؤسسة العامة للمخابز.
الحلول ليست معقدة، فهي تبدأ من ضبط عملية استلام المستلزمات وصولاً إلى التوزيع على الأفران والبيع عبر الكوات، وتشديد الرقابة وفرض عقوبات صارمة على المتورطين في تهريب الخبز للسوق السوداء، عوضاً عن تسليم قوت المواطن للسماسرة والناهبين.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1269
سلمى صلاح