«إسرائيل» ونظرية النوافذ المُحطّمة…

«إسرائيل» ونظرية النوافذ المُحطّمة…

إن الدور الذي أدته «إسرائيل» في الحرب الحالية على إيران أساسي ومحوري، فإنهاء دور «إيران» الإقليمي هو ممرٌ إجباري، إذا ما أراد الكيان المضي قدماً في مشروع «إسرائيل الكبرى»، ومن هنا لم يكن من الممكن النظر إلى الحرب الدائرة حالياً بوصفها صراعاً بين «إسرائيل» والولايات المتحدة من جهة، وإيران في الجهة المقابلة، بل هي في الحقيقة محاولة جديّة لإعادة رسم خارطة المنطقة، ما يعني أنه استهداف واضح ومعلن للجميع ودون استثناءات، وإيران هي محطة أولية ملزمة لتنفيذ المشروع كاملاً.

من هذه الزاوية، يبدو الاهتمام بتطورات الصراع الجاري مفهوماً، فمآلاته سيكون لها تأثير نوعي على شكل تطور المنطقة، والعلاقات البينية بين دولها من جهة، ونظرة هذه الأطراف إلى «إسرائيل» بعد إدراك طبيعة دورها العدواني، الذي انتقل في المرحلة الأخيرة إلى هجوم شامل.


بين أهداف «إسرائيل» والولايات المتحدة


تناولت مجموعة كبيرة من المقالات التحليلية في الصحافة «الإسرائيلية» الحرب الحالية، وبعد الحماس الذي كان طاغياً في الأسابيع التي سبقتها، بدأنا نلحظ ظهور أصوات قلقة، أو مشككة في قدرة تحقيق الأهداف الاستراتيجية الموضوعة، بل هناك من ينبه إلى اختلافات في الدوافع الأمريكية و«الإسرائيلية» ففي حين ترى الأخيرة أنّها تخوض حرباً مصيرية، يجب أن تفضي من وجهة نظرهم إلى إنهاء دور إيران المحوري في التوازن الإقليمي القائم، ما يمكن أن ينتج في حال حصوله، واقعاً جديداً يفرض على الجميع إعادة حساباتهم، وتتسابق دول المنطقة للوصول إلى اتفاقات مع «إسرائيل» على شاكلة الاتفاقيات الإبراهيمية، ما يتجاوز قبول «إسرائيل» جزءاً من المنطقة، بل والاعتراف والاستسلام أمامها بوصفها الطرف المهيمن الوحيد بلا منازع.
بينما يرى بعض المحللين «الإسرائيليين» أن لدى واشنطن حسابات مختلفة، فيكفي أن يجد الرئيس الأمريكي نفسه في لحظة مناسبة ليدّعي تحقيق أهدافه، وإنهاء الحرب، حتى وإن لم يتم إنهاء إيران، فترامب بنظر هؤلاء المحللين يمكن أن يقبل بوجود إيران أضعف من السابق، بينما تحتاج تل أبيب لتحقيق أهدافها إلى سقف أعلى بكثير وهو ببساطة «إنهاء إيران».

بالاستناد إلى ما سبق، وبالنظر إلى الواقع الميداني العسكري الحالي، يبدو أن أهداف الكيان بعيدة كثيراً عن التحقق، ففي مقال نشره مركز «دراسات الأمن القومي الإسرائيلي» يثبّتُ فيه أهداف الحرب من وجهة النظر الصهيونية، ويلخصها في إحداث «تغيير بنيوي واستراتيجي عميق يشمل تقويض المشروع النووي، ومنظومة الصواريخ البالستية، وأيضاً تغيير النظام بشكل نهائي»، وعند تقييم ما جرى تحقيقه حتى اللحظة، يظهر أمامنا أن الضرر التكتيكي كبير، لكن لم يتم تحقيق أياً من الأهداف الاستراتيجية الموضوعة، وليس هناك أي دلائل تشير إلى اقتراب ذلك، بل إن الدلائل الموضوعية تشير إلى العكس تماماً. ما يعني في أحسن الأحوال، أن الحرب يمكن أن تستمر لوقتٍ أطول بكثير، وهو ما يضع «إسرائيل» أمام معضلة في قدرتها على احتمال تبعات ما يجري، فبالنسبة للمحلل «الإسرائيلي» إيل تسير كوهين، يمكن لصاروخ إيراني واحد في اليوم ينجح في الوصول إلى هدفه أن «يحقق 80% من أهدافه النفسية عبر شل النشاط الاقتصادي في [إسرائيل] وإبقاء الملايين في الملاجئ».


إخراج الولايات المتحدة من المنطقة!


إن «إسرائيل» تعيش حالة من الاضطراب على كافة المستويات، ولم تبدأ مع هذه الحرب، بل انفجرت بشكلٍ واضح منذ 7 أكتوبر، فخلال عقود مضت، لم ينجح الكيان في علاج أيّاً من المشاكل التي يواجههاً، فالواقع الأمني داخل الأراضي المحتلة، وفي المحيط الإقليمي، كان يتطور دائماً بعكس الاتجاه المطلوب «إسرائيلياً» وكانت «الإنجازات» التي جرى تحقيقها بالمعنى السياسي، مثل: الاتفاقيات الإبراهيمية، ورغم الضجة التي رافقتها، لم تكن صلبة وقابلة للحياة، ويبدو أن هذه الحقيقة كانت واضحة في أذهان صناع القرار «الإسرائيليين» وكانوا يدركون أنهم أمام مواجهة قادمة. هذا الواقع المحيط كان شديد الخطورة، تحديداً إذا ما أخذنا بعين الاعتبار التراجع في الدور الأمريكي، وتناقص قدراته في تقديم التغطية المطلوبة، كل ذلك تحوّل إلى واقع اليوم، فـ «إسرائيل» ترى أنّها تخوض حرب بقاء، وهي لذلك مستعدة لدرجات من العدوانية والخبث لم نشهدها من قبل، لكنّها في الوقت نفسه لن تكون قادرة على البقاء في ظل الواقع الإقليمي الحالي. الدول الأساسية في الإقليم تدرك ذلك جيداً، فرغم ضغط الحرب الحالية، والمحاولات «الإسرائيلية» الأمريكية لضرب العلاقات الإقليمية التي تتشكل منذ سنوات، لم نصل بعد إلى نقطة اللاعودة، بل إن النتيجة الأساسية التي يمكن اليوم أن تتحول إلى واقع بعد انتهاء الحرب، هو أن دول الخليج ستكون أكثر اندفاعاً لبناء نظام أمني مشترك للخليج، لا يستثني إيران، وأن يكون هذا النظام برعاية روسية-صينية والأهم من ذلك، أن هناك بالطبع إعادة تقييم تجري لجدوى التواجد الأمريكي في المنطقة، ففي حين كان مطلب إخراج القوات الأمريكية مطروحاً بين إيران وتركيا وروسيا، هو اليوم أشبه بنادي مفتوح يمكن أن تنضم له دول، مثل: السعودية وباكستان ومصر.


عن «المشاكل الصغيرة»!


في مقال بعنوان «بين طهران وجنين» نشرته يديعوت أحرونوت، فيظهر الكاتب دويدي بن تسيون مستوى غير مسبوق من الاضطراب، ويبدأ باستذكار «نظرية النافذة المكسورة» التي طرحها رئيس بلدية نيويورك رودني جولياني في تسعينيات القرن الماضي، في سياق نقاش الواقع الأمني في المدينة الأمريكية، فجولياني قال: إن «إذا تم تجاهل نافذة مكسورة واحدة، فسرعان ما سيبدو الشارع كله وكأنه منطقة مهملة ومفتوحة للفوضى، فالثغرة تدعو اللص». ويشرح «مَن يعالج المشكلة الصغيرة مبكراً، يمنع الجريمة الكبيرة». بن تسيون يقول: إن «إسرائيل» أهملت لوقتٍ طويل كثيراً من «النوافذ المكسورة»، ويرى أن 7 أكتوبر كان نتيجة لهذا الإهمال، وعلى هذا الأساس يطرح الآن فكرة مفادها، أن إيران هي الخطر الأهم الذي يواجه «إسرائيل» لكن لا يمكن مجابهة هذا الخطر والتركيز عليه وحده، بل يجب البحث عن «النوافذ المحطمة» وعلاج «المشاكل الصغيرة» مثل: حماس، وحزب الله، والمقاومة الفلسطينية في الضفة الغربية!

لم يعد بالإمكان إحصاء «النوافذ المحطمة» في «إسرائيل» وهي تزداد يوماً بعد يوم، لتثبّت حقيقة واحدة، هي أن الظرف داخل الكيان وفي محيطه بات خارج عن السيطرة، تل أبيب وغيرها من المدن «الإسرائيلية» تعرضت لدمار لم نشهده من قبل، فما تسرّب حتى اللحظة رغم الرقابة الشديدة، يشير إلى أن المشهد على الأرض أكبر بكثير، وإن قدرات إيران على إلحاق ضرر حقيقي وضخم داخل «إسرائيل» قائمة ومستمرة، ويمكن أن تستمر لأشهر، وستكون آثارها أكثر تدميراً مع التراجع في قدرات «إسرائيل» على اعتراض الصواريخ والمسيرات القادمة، ومع كل حرب جديدة، يظهر أن «إسرائيل» لم تحقق أي شيء، فبعد «إنهاك إيران» في حرب الـ 12 يوم، يظهر أن طهران لم تضطر أصلاً لكشف كامل ترسانتها الصاروخية حينها، وأمطرت السماء فوق «إسرائيل» بصواريخ انشطارية مدمّرة، كذلك الوضع في جنوب لبنان، فبعد «القضاء» على حزب الله عدّة مرات، كان مقاتلوه قادرين على ضرب 100 صاروخ في يوم واحد، بل وقادرين على تنفيذ عملية عسكرية منسقة مع إيران. هذه «المشاكل الصغيرة» التي تعانيها «اسرائيل»، هي كيانات سياسية وبشرية، تدرك أن وجود المشروع الصهيوني في المنطقة خطر حقيقي، وهي لذلك تدرك أن «وحدة الساحات» أيّاً كان شكلها، أو اسمها، هي الضامن الوحيد للنصر، وبالتالي، إن كل محاول «إسرائيلية» لفصلها والتعامل معها كملفات منفصلة ستفشل، وإن كل إنجاز جديد يجري تحقيقه يضعف «إسرائيل» وسيزيد من ترابط كل هذه العوامل واتحادها ضد الخطر الأساسي!

معلومات إضافية

العدد رقم:
1269