وجهات نظر: حول الجبهة الوطنية التقدمية

إن اتحاد ووحدة عمل القوى الديمقراطية والتقدمية في نضالها ضد الاستعمار وأعوانه، ومن أجل بناء الوطن وازدهاره، هي مسألة دائمة الحضور في فكر وسياسة الأحزاب الشيوعية والوطنية، وتعتبر مسألة التحالف إحدى المسائل الأساسية في نظرية واستراتيجية وتكتيك الطبقة العاملة في كفاحها لإسقاط الرأسمالية وبناء الاشتراكية.

فعند صياغة أي تحالف يجب تحديد ما هي القوى التي تتفق مع مصالح التقدم وتطور البلد ديمقراطياً، وإقامة تحالف معها.

وإذا قرأنا في تاريخ الحركة الثورية العالمية نجد جبهات وتحالفات وطنية وشعبية انبثقت وتكونت من ساحات النضال المشترك، وحققت نجاحات وطنية وديمقراطية هامة كان أساسها:

ـ اعتماد مبدأ المساواة في تمثيل مختلف الأحزاب والقوى المتحالفة، وتجنب كل أشكال وممارسات الوصاية والتمييز.

ـ اعتبار الجبهة شكلاً مناسباً للعمل المشترك لكل قوى وفئات الشعب، في إدارة البلاد ومراقبة دوائر وأجهزة الدولة وانتقاد الأخطاء والنواقص.

ـ وضع برنامج عمل مرحلي محدد واضح ودقيق يتضمن مهام المرحلة القائمة وتتم مناقشته من قبل أطراف الجبهة وعامة قطاعات الشعب التي لها مصلحة في ذلك.

وفي سورية تأسست (جبهة وطنية تقدمية) في 7/ 3/1972 من أحزاب قومية واشتراكية بقيادة حزب البعث العربي الاشتراكي، الحزب الحاكم في البلاد، وذلك استجابة لمتطلبات المرحلة التي كانت تمر بها البلاد، ووضعت الجبهة ميثاقاً لها تضمن العديد من المبادئ والمهام السياسية.

فلو انطلقت أحزاب الجبهة في توجهها العملي من هذه المبادئ والمهام الأساسية التي نص عليها الميثاق ووضعتها موضع الاهتمام اللازم، وحررت نفسها من قيود ووصاية السلطة وتجاوزت حالة التشرذم والتفكك ووحدت صفوفها، وترفعت قياداتها عن المصالح الشخصية والمادية، وجعلت مصلحة الشعب والوطن هي الأساس، لما انحدرت الجبهة إلى هذا المستوى من الضعف والعزلة، ولما أصبحت أشبه بإحدى مؤسسات الدولة لا حول ولا قوة لها.

وظل العمل الجبهوي يتعثر ويتقوقع في مسيرته التاريخية، ولم يمتد إلى أعماق الجماهير ويشمل سائر أنحاء الوطن بمدنه وقراه وأحيائه، بل بقي مقتصراً على اجتماعات القيادة المركزية والفروع في المناسبات لتستمع أطراف الجبهة إلى عرض سياسي أو لأخذ تأييدها لموقف أو لحدث سياسي معين. واستسهلت قيادات أحزاب الجبهة العمل الفوقي المريح، ولم تمارس دورها الصحيح حتى صارت أحزابها بعد فترة في عزلة واغتراب عن الجماهير. وأصبح يرتبط اسم الجبهة في أذهان الناس بالعديد من السياسات الخاطئة والسلبية.

فمن المفترض أن تكون تجربة الجبهة خطوة متقدمة عما سبقها من خطوات تحالف وتعاون جبهوي في سورية، وأن تمارس دوراً قيادياً فاعلاً لاستنهاض الحركة الوطنية، وتعبئة كل الطاقات الاقتصادية والبشرية، وجعل سورية قوة تأثير وجذب لكل قوى التحرر والديمقراطية في المنطقة، والتأهب لمواجهة مؤامرات الإمبريالية والصهيونية والرجعية، لا سيما في هذا الزمن العربي الرديء، وسقوط جبهة الأصدقاء عالمياً.

فالجبهة ما لم تكن قوية بالفعل بأحزابها وسياستها وجماهيرها لن تتحول إلى قوة استقطاب للجماهير، وقوة ردع للأعداء، لذلك فإن وجود تحالف جبهوي وطني قوي هو ضرورة تاريخية لسورية، وليس لرجل الدولة هذا أو ذاك، ولا لحزب دون أخر، ولكن لسورية، لأن المهمات التي تطرحها الحياة أمام شعبنا هي ذات طبيعة قاسية ومعقدة، وتفوق قوى ومقدرة حزب بمفرده، مهما كان قوياً ومهما كان ذكياً ومهما كان بطلاً .

وبأية حال، فمن أجل جبهة وطنية تقدمية فاعلة، ترتقي إلى مستوى التحديات التي يواجهها وطننا وشعبنا في الداخل والخارج ينبغي النضال لتحقيق ما يلي:

1 ـ إعادة صياغة ميثاق الجبهة الذي أصبح في معظم بنوده متخلفاً وطرحه كمشروع على الشعب والقوى السياسية لمناقشته وإغناءه بالملاحظات والآراء المفيدة.

2 ـ المساواة بين القوى الوطنية داخل الجبهة وتجنب كل أشكال الوصاية والتمييز دون أن يطغى حزب أو جهة ما على أخرى، تمهيداً لإقامة تحالف جبهوي عريض كفء من أجل بناء وازدهار الوطن وتحرير (الجولان) المحتل من قبل العدو الإسرائيلي.

3 ـ استقلالية الأحزاب والنقابات والمنظمات والجمعيات واحترام أنظمتها، وإصدار قانون الأحزاب وتكريس شرعيتها الدستورية، وإسهامها بصنع القرار والمراقبة وممارسة النقد لأخطاء ونواقص دوائر وأجهزة الدولة.

4 ـ مد نفوذ الجبهة إلى سائر أنحاء الوطن ليشمل كافة المدن والقرى والأحياء وفتح مراكز لها، وحقها في ممارسة دور إعلامي نشط بكل الوسائل المرئية والمسموعة والمكتوبة.

وأخيراً يبقى النجاح بتحقيق جبهة وطنية تقدمية قوية فاعلة تحظى باحترام وتأييد الجماهير رهناً بإجراء إصلاح ديمقراطي سياسي عام في البلاد، وقناعة كل حزب بأسلوب الحوار البناء الهادئ لحل المشاكل والخلافات الناشئة وعدم الانطلاق في التعامل من مفاهيم واعتبارات حزبية أو فئوية ضيقة، وجعل مصلحة الشعب والوطن هي الأساس ومركز اهتمام الجميع.

 

* شيوعي قديم من دير الزور