لماذا السوريون طائفيون؟
تبدأ إدانة الطائفية في سوريا من الاعتراف بوجودها أولاً، إذ لا يصح إدانة ما ننكر وجوده. وكيف يمكن إنكارها بعد ما شهدناه منذ عام 2011، على الأقل، من جرائم وحشية على أسس طائفية وإثنية؟ إلا أن الاعتراف بوجود الطائفية لا يعني القول بثبات وجودها وإطلاقه، لأن ذلك يعني استحالة العيش المشترك، وتالياً الاعتراف بصحة مقولات التيارات الانفصالية في سوريا وبالحالمين بؤساً بعودة عقارب الزمن إلى الوراء، بل وأيضاً صحة خطاب فرض الهيمنة والإكراه والاستبداد على السوريين والسوريات بذريعة أن الآخر المختلف (طائفياً أو/و إثنياً) يتربص، يتحين، ويعد للحظة انقلاب الموازين ليعود مهيمناً ومكرهاً ومستبداً بالآخر المختلف؛ وأقصد هنا بوضوح خطاب جمهورٍ من مؤيدي السلطة القائمة الذي لا يرى في كل ما هو مختلف سياسياً، أكان أم طائفياً، إلا عدواً مستتراً.
لكن ألا يعني ذلك بأننا ننكر واقعاً بحجة درء ذرائع الانعزاليين والطائفيين، سواء ممن هم في السلطة أو جمهورها، أو ممن يقف في موقع المعارض لهما؟ يصح هذا القول لو تطابق مع الواقع، لكن الناظر في تاريخ سوريا المعاصر، وتحديداً في النصف الأول من القرن العشرين، سيدرك سريعاً بأن الطائفية وكافة أشكال ولاءات ما قبل الدولة الوطنية ليست جوهراً وسمة ثقافية واجتماعية ثابتة للسوريين. فالسوريون في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين قادوا نضالاً فكرياً وسياسياً واجتماعياً ضد منطق الإقصاء وفرض الهيمنة التركية ونظام المِلل، وصولاً في نهاية الأمر إلى خلع ما كان يعرف "بخلافة المسلمين" بكل ما تحمله من سردية تاريخية، واستبدلوه بمنطق المواطنة والدولة الحديثة، فأسسوا الأحزاب السياسية والجمعيات العلمية والفكرية والصحف والمجلات والملتقيات الثقافية؛ كما رفضوا الوصاية الفرنسية وانتدابها بكل ما دفعت به ضمناً وصراحة من ممارسات هدفت إلى بناء كيانات سياسية على أسس طائفية ومناطقية وإثنية، فنسقوا فيما بينهم ثورتهم ضد الانتداب الفرنسي بدءاً بثورة الشيخ صالح العلي ضد إنزال القوات الفرنسية على الساحل السوري عام 1918، وصولاً لقيادة سلطان باشا الأطرش للثورة السورية الكبرى، وانتهاءً بإعلان الاستقلال عام 1946. هذا الاستقلال افتتح حقبة من الاستقطاب السياسي بين السوريين الذين طوروا ما كانوا قد بدؤوا به نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وأعني الانضواء ضمن النقابات العمالية والمهنية والغرف التجارية والصناعية والأحزاب السياسية؛ وبهذا لم يكن الانقسام بين السوريين على الانتماء الوطني، بل كان انقساماً سياسياً غلبه الافتراق على السياسات الاقتصادية بين البرجوازية الصناعية الصاعدة وبين العمال والفلاحين، حيث تمظهر هذا الخلاف بينهم في بنية الأحزاب التي مثلتهم. في حين لم تشكل مسألة العلاقة بين الدولة والدين هاجساً أو موضوع صراع بينهم إلا في حدود ما كانت تثيره الجماعات الإسلامية المحافظة، والتي كان تأثيرها وحضورها السياسي والاجتماعي محدوداً للغاية، إذ لم تنجح ولو لمرة واحدة في الاستحواذ على حصة معتبرة من مقاعد البرلمان السوري؛ فالأخير كان موضوع منافسة بين الأحزاب الوطنية البرجوازية من جهة، وبين الاشتراكيين والشيوعيين والقوميين العرب من جهة أخرى.
إذاً، لم يكن السوريون طائفيين على الدوام، فكيف أصبحوا كذلك؟ يظهر أمامنا جواب بسيط وسهل: هو أن نظام آل الأسد بأجهزته الأمنية وسياساته زرع الشقاق بين السوريين وبعث الطائفية بينهم لكي يسيطر على البلاد ويضمن استمرار حكمه. وعلى الرغم من أن آل الأسد قد وظفوا الطائفية بالفعل، إلا أنه لا يمكن القول بأن الطائفية في سوريا هي من صنيعتهم؛ أولاً لأن حافظ الأسد وصل بفضل رافعة غير طائفية، وهي حزب البعث الذي كان ينتمي إليه في حينها آلاف الفلاحين من حماة (معقل الحزب في ذلك الوقت) إلى أرياف حلب وإدلب ودرعا وحمص والسويداء، وجميع الأرياف السورية. كما أن ضباط الجيش وقيادته العليا لم تكن من لون واحد، ولم يكن الخلاف فيما بينها مبنياً على الخلفية الطائفية لحافظ الأسد، فضلاً عن أن وصوله للحكم واستمراره قد استمد شرعيته من دفع شريحة واسعة من فلاحي سورية البعثيين أو من الموفقين على توجهاته هذا إلى جانب دعمه من شريحة من رجال الدين المسلمين وتجار وغيرهم من الفئات الاجتماعية والاقتصادية. فالسؤال إذاً: ما كانت حاجة الأسد للطائفية؟ أليست الطائفية تضر بشرعية حكمه، وهو الذي ينتمي إلى أقلية طائفية؟ ولماذا كان عليه أن يمنع التحدث أو حتى الإشارة إلى المسألة الطائفية؟ والأهم من ذلك، هو أن الطائفية ظاهرة اجتماعية، أي أنها لا تقتصر فقط على المجال السياسي، بل تظهر في سلوك الأفراد وقيمهم؛ فإذا كنا قادرين على تفسير حضورها بالمجال السياسي، فكيف يمكن تفسيرها في المجال الاجتماعي؟ أي ذاك التمييز الذي يُمارس على أساس إثنية وعشائرية ومناطقية ومدنية وعائلية..إلخ داخل المجتمع وبعيداً عن دور أجهزة السلطة؟
وأخيراً، فإن الصراعات والتمييز والسجالات ذات الصبغة الطائفية استمرت بعد سقوط نظام الأسد وامتدت على المستوى المناطقي والعشائري، وشملت منطقة كالسويداء، وهي التي كانت قد خرجت فيها في السنوات القليلة التي سبقت سقوط النظام مظاهرات مناوئة له، كما شاركت فصائلها المحلية في عملية "ردع العدوان"؛ أي من المفترض أنها كانت خارج أطر الاستقطاب الطائفي في سوريا. فكيف يمكن أيضاً تبرير حملة التحريض والتجييش الطائفي وعمليات القتل الوحشية التي طالت أبناء المحافظة، والاقتتال المحلي بين عدد من سكانها الدروز وآخرين من البدو؟ سيكون من السهل أيضاً تحميل السلطة القائمة المسؤولية، وهي المسؤولة بطبيعة الأحوال بحكم موقعها، لكن الطائفية السياسية، بوصفها ظاهرة اجتماعية، تحتاج إلى شروط لإمكان وجودها، أي إلى البنى الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تسمح بظهورها بوصفها سلوكاً وأفكاراً وقِيماً تتجلى داخل مجتمع ما؛ فبدون تحقق شروط إمكان وجودها لا يمكن لسلطة ما أن تفرضها من الأعلى، بل إن طائفية السلطة نفسها تنبع من هذه الشروط.
إن صعود الفكر السياسي الوطني وضمور ولاءات ما قبل الدولة الوطنية خلال النصف الأول من القرن العشرين كانا نتاجاً لصعود علاقات إنتاج رأسمالية تعاقدية، دفعت بدورها نحو بنى اجتماعية قائمة على العلاقات المصلحية بين الأفراد الذين شكلوا مؤسساتهم النقابية والمهنية وغرفهم التجارية والصناعية، كما أفرزت أحزاباً تمثل المصالح الطبقية لتلك الفئات وتتنافس في برامجها الانتخابية على هذا الأساس.
أما الطائفية السياسية فلم يعرفها السوريون والسوريات إلا بعد عقودٍ من الاستبداد دمرت خلالها مجمل تلك العلاقات، ومعها مؤسساتها التي هيمن عليها جهاز السلطة البعثي. فخلال تلك العقود صعدت رأسمالية المحاسيب التي جعلت من كل نشاط اقتصادي مرهوناً بالعلاقة مع رجالات السلطة، كما كاد التوظيف في القطاع العام يكون حكراً على من يملك العلاقات ضمن دوائر السلطة؛ ومن هذا النكوص في البنية الاقتصادية، وفي أساليب الإنتاج ومستوى تحديثها، ومن تغول الفساد والاحتكار، انسحبت علاقات ما قبل الدولة الوطنية من القطاع العام إلى القطاع الخاص ومجمل علاقات العمل في سوريا، وبها نكصت العلاقات الاجتماعية للسوريين والسوريات فعادوا إلى دوائرهم الضيقة؛ فبتلك الدوائر فقط يمكن لهم أن يقتنصوا فرصة عمل ما، أو مكسباً مادياً، أو حماية اجتماعية.
إن تجاوز الطائفية في سوريا لا يمكن أن يتحقق عبر الخطابات والشعارات الوطنية، أو عبر ترتيبات مؤسساتية أو دستورية معزولة عن بنيتها المادية، بل يظل مشروطاً بإعادة بناء اقتصاد منتج يولد حوامل اجتماعية عابرة لانتماءات ما قبل الدولة الوطنية، ويعيد الاعتبار للمواطنة بوصفها ضرورة اقتصادية قبل أن تكون قيمة معيارية.
استندت هذه المقالة إلى بحث محكّم نشره الكاتب في مجلة رواق عربي عام 2026 بعنوان «الاقتصاد السياسي للطائفية في سوريا: ديناميات ضمور وانبعاث ولاءات ما قبل الدولة الوطنية».
محمد شعباني