لا مكان للرمادي هنا
لم تعد المقاطعة ومحاربة التطبيع بكل أشكاله مجرد خيار فردي كما يحاول البعض أن يظهرها بل أصبحت مسؤولية وطنية وسياسية وأخلاقية في مواجهة الابادة الجماعية وسلوكيات الاحتلال والمتعاونين معه ضد الشعب الفلسطيني.
من هذا المنطلق أُطلقت مبادرة «لبنانيون ضد التطبيع» بمشاركة أكثر من 87 هيئة من المجتمع الأهلي والثقافي والشعبي، في مبادرة تسعى إلى توحيد الجهود والمواقف الرافضة للتطبيع في لبنان، وتنسيق الأنشطة والتحرّكات بين المجموعات المشاركة فيها، يوم الخميس 6 آب الجاري، في «مسرح المدينة».
وشهدت الفعالية كلمات لعدد من الشخصيات الوطنية والنشطاء والمحامين، شددت على رفض مختلف أشكال التطبيع، ودعت إلى تعزيز الملاحقات القانونية بحق من يروّج للتطبيع أو ينقل الرواية «الإسرائيلية»، كما أكد المشاركون تمسكهم بخيار مقاومة الاحتلال ورفض الاعتراف به.
وتضم المبادرة مجموعة واسعة من الجمعيات والنوادي والملتقيات والهيئات الثقافية والاجتماعية والطالبية، إلى جانب مجموعات تنشط في مجالات المقاطعة والقضايا الوطنية، في محاولة لتحويل المواقف المتفرقة إلى عمل منسّق ومشترك.
«قاطع قاوم»
كما قامت مبادرة «قاطع قاوم – لبنان» بفتح النقاش حول حدود المقاطعة السينمائية، داعيةً إلى موقف أكثر وضوحاً في مواجهة داعمي إسرائيل داخل صناعة السينما العالمية، وأطلقت بياناً موجّهاً إلى صالات السينما ومتعهّدي الأفلام في لبنان والعالم العربي، دعت فيه إلى تشديد المقاطعة الثقافية والسينمائية للجهات الداعمة لإسرائيل، معتبرة أن المقاطعة لم تعد «خياراً سياسياً أو موقفاً مزاجياً»، بل «واجباً أخلاقياً ووطنياً» في ظل الحرب المستمرة على غزة والتصعيد في لبنان والمنطقة.
ورأت المبادرة أنّ المشهد الثقافي العالمي تبدّل جذرياً منذ بداية الحرب على غزة واعتبرت أنّ المرحلة الحالية لم تعد تحتمل «المنطقة الرمادية»، بعدما بات الاصطفاف واضحاً بين من يرفض ما يجري في غزة ومن يبرّره أو يتواطأ معه. وأضافت أن الأعمال الفنية أو المؤسسات الثقافية التي تسهم، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في «تبييض الجرائم» أو منحها غطاءً ثقافياً، تتحمّل مسؤوليةً أخلاقية، حتى وإن لم تكن إسرائيلية الهوية.
وطرحت المبادرة تساؤلات جدية تتعلق بحدود المقاطعة الثقافية خاصة بعد أن بدأت الأفلام الإسرائيلية تواجه صعوبات متزايدة في المشاركة في مهرجانات دولية، فإذا كان من الواجب الدعوة إلى مقاطعة الأفلام التي تنتجها شركات أو يشارك في إنتاجها أفراد يدعمون إسرائيل، فهل ينبغي أن تمتد المقاطعة أيضاً إلى العاملين في الفيلم نفسه الذين يمثلون، في المقابل، أصواتاً مناصرة للحقوق الفلسطينية داخل هوليوود؟
ثلاث رسائل هامة
في هذا السياق، وجّهت «قاطع قاوم – لبنان» ثلاث رسائل أساسية. الأولى خُصّصت لصالات السينما ومتعهّدي الأفلام، داعية إياهم إلى مراجعة خلفيات الإنتاج والتمويل، وكذلك المواقف العلنية للشركات والأفراد المشاركين في أي عمل سينمائي قبل اتخاذ قرار عرضه. واعتبرت أن دور الصالات لا يقتصر على توفير مساحة للعرض، بل يمتد إلى تحمّل مسؤولية أخلاقية تجاه الجمهور، مشيرة إلى أن عرض أعمال «تمرّ عبر شبكة متواطئة مع الإبادة» يضعها خارج موقع الحياد.
أمّا الرسالة الثانية، فكانت موجّهة إلى العاملين في السينما العالمية و«حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات» (BDS)، إذ دعت المبادرة إلى توسيع مفهوم المقاطعة ليشمل أيضاً الشخصيات الداعمة لإسرائيل، وليس المؤسسات الإسرائيلية وحدها، معتبرة أنّ التحوّلات السياسية والثقافية الراهنة تفرض إعادة النظر في آليات المقاطعة التقليدية.
نقاش حول أخلاقيات المقاطعة
في رسالتها الثالثة، دعت المبادرة العاملين في الحقل الثقافي العربي، وكل المؤمنين بالمقاطعة الثقافية، إلى فتح نقاش واسع حول هذه الحالات المركبة، سعياً إلى بلورة معايير أخلاقية واضحة للتعامل مع الإنتاجات الفنية التي تتداخل فيها المواقف السياسية المتناقضة.
كما شدّدت المبادرة على أن النقاش لا يقتصر على فيلم بعينه، بل يطال آليات التعاطي مع صناعة سينمائية عالمية تتشابك فيها المصالح التجارية والمواقف السياسية، في وقت تتزايد فيه الدعوات إلى ربط الموقف الثقافي بالمسؤولية الأخلاقية تجاه القضايا الإنسانية. خاصة بعد أن أعلن أكثر من 5500 عامل في القطاع السينمائي حول العالم التزامهم بمقاطعة السينما «الإسرائيلية»، حسب بيان المبادرة.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1290
ايمان الاحمد