التحالف البحري السعودي... هل بدأت الرياض ببناء بديل للأمن الأمريكي؟
معتز منصور معتز منصور

التحالف البحري السعودي... هل بدأت الرياض ببناء بديل للأمن الأمريكي؟

أعلنت السعودية عن إنشاء «تحالف بحري دفاعي متعدد الجنسيات» بقيادتها ومشاركة 14 دولة، بينها مصر وتركيا، بهدف حماية الملاحة وخطوط التجارة وإمدادات الطاقة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب وخليج عدن. الإعلان السعودي قدّم المشروع باعتباره إطاراً دفاعياً لحماية الأمن البحري، وتحدث عن تبادل المعلومات والاستخبارات والتدريب والعمليات البحرية المشتركة، مع إنشاء القيادة المشتركة ومركز العمليات في السعودية.

لكن قراءة هذا التحالف باعتباره مجرد محاولة جديدة لاحتواء الحوثيين تبدو أقل من دلالته الفعلية. صحيح أن العمليات الذي تنفذها جماعة «أنصار الله» ضد السفن السعودية يمثل أحد الأسباب المباشرة وراء المشروع، لكن الرياض التي خاضت حرباً طويلة في اليمن تعرف جيداً أن المشكلة لا يمكن حلها عسكرياً، وأن حماية البحر الأحمر لا تبدأ وتنتهي عند استهداف الحوثيين. ولذلك فإن السؤال الأهم ليس لماذا تريد السعودية مواجهة الحوثيين، وإنما لماذا اختارت الرياض الآن أن تتولى بنفسها قيادة منظومة أمنية بحرية متعددة الجنسيات؟
وتجربة البحر الأحمر نفسها تقدم مثالاً واضحاً. فقد أطلقت الولايات المتحدة تحالف «حارس الازدهار» بمشاركة دول عدّة بهدف حماية السفن وفتح طريق الملاحة أمام التجارة الدولية، لكن القوة العسكرية الدولية لم تتمكن من إنهاء التهديد الحوثي. وقبل ذلك كان التحالف العربي والدولي الذي انخرط في الحرب اليمنية قد فشل أيضاً في حسم الصراع عسكرياً. وبالتالي فإن إنشاء تحالف جديد بقيادة السعودية لا يبدو منطقياً إذا كان الهدف منه ببساطة إعادة التجربة نفسها، خصوصاً أن الرياض تعرف كلفة الحرب اليمنية ونتائجها أكثر من أي طرف آخر.

الأقرب أنَّ السعودية تحاول بناء شيء مختلف: قدرة إقليمية تستطيع من خلالها حماية مصالحها الحيوية من دون أن تبقى رهينة لقرار أمريكي. وهذا لا يعني بالضرورة أنَّ الرياض تريد استبدال الولايات المتحدة، أو أن القوات السعودية ستأخذ مكان القوات الأمريكية، وإنما يعني أن السعودية تريد امتلاك أدواتها الخاصة في منطقة أصبحت أكثر أهمية بالنسبة لأمنها القومي.
البحر الأحمر بالنسبة للسعودية ليس مجرد طريق للتجارة الدولية. فالساحل الغربي للمملكة وموانئها ومشاريعها الاقتصادية الكبرى ترتبط مباشرة بأمن هذا البحر، بينما يمثل باب المندب نقطة الاختناق التي يمكن أن تتحول في أي لحظة إلى مصدر تهديد اقتصادي وأمني للمملكة. ولهذا فإن ترك أمن البحر الأحمر لقوى خارجية أصبح خياراً أكثر خطورة بالنسبة للرياض، خصوصاً في ظل اتساع المنافسة على المنطقة.
فالفراغ الأمني الذي يتركه تراجع الدور الأمريكي لا تحاول قوة واحدة ملأه. إذ هناك تنافس إقليمي ودولي على البحر الأحمر والقرن الأفريقي والموانئ والجزر وخطوط الملاحة، وإلى جانب السعودية وإيران، توجد قوى أخرى تسعى إلى توسيع نفوذها في هذه المنطقة، وفي مقدمتها «إسرائيل». ومن هنا يمكن فهم الحساسية السعودية تجاه التطورات في اليمن والقرن الأفريقي، لأن السيطرة على الممرات البحرية ومداخل البحر الأحمر تعني في النهاية التأثير في العمق الاستراتيجي للمملكة.


التسوية الاقليمية الشاملة


التجربة الطويلة أثبتت أن الحوثيين يستطيعون تحمل الضغط العسكري والاستمرار في القتال، وأن أي محاولة لإغلاق هذا الملف بالقوة ستعيد المنطقة إلى دورة جديدة من الحرب، فالتحالف البحري الجديد يمكن أن يكون أداة للردع والحماية وليس بديلاً عن التسوية السياسية، فالسعودية قادرة على بناء تحالف بحري واسع، لكنها لن تستطيع بناء نظام أمني إقليمي مستقر إذا بقي البحر الأحمر والخليج جزءاً من مواجهة مفتوحة بين الرياض وطهران. ولهذا فإن المسار الذي بدأته السعودية خلال السنوات الماضية نحو الحوار مع إيران ليس منفصلاً عن هذه التطورات. فكلما اتجهت الرياض إلى بناء قدراتها الأمنية بشكل مستقل، أصبحت في الوقت نفسه أكثر حاجة إلى تفاهمات سياسية مع القوى التي تستطيع تعطيل هذا النظام أو تحويله إلى طرف في صراع إقليمي جديد.
ومن هذه الزاوية، فإن التحالف البحري يحمل احتمالين مختلفين. الأول أن تكون السعودية بصدد تكرار التجربة السابقة، أي بناء تحالف عسكري جديد بهدف الضغط على الحوثيين، وعندها لن تكون هناك ضمانة بأن تكون النتيجة مختلفة عن نتائج التحالفات السابقة. أما الاحتمال الثاني، وهو الأكثر أهمية، أن يكون التحالف جزءاً من عملية أوسع لإعادة تشكيل الأمن الإقليمي، بحيث تمتلك دول المنطقة قدراتها الخاصة، وتقلل اعتمادها على الولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه تستخدم هذه القوة لفرض الاستقرار لا لفتح حرب جديدة.
إذا استطاعت السعودية أن تجمع بين بناء القدرة العسكرية وبين التسوية السياسية في اليمن، وأن تحافظ على مسار تفاهم مع إيران، وأن تجعل التحالف البحري إطاراً لحماية الملاحة وليس منصة لمواجهة مفتوحة، فإنها قد تكون أمام بداية تحول حقيقي في المنطقة: انتقال تدريجي من منظومة أمن تعتمد على القوة الأمريكية إلى منظومة تلعب فيها القوى الإقليمية الدور الأكبر وتحديداً تلك المرتبطة بشكل عضوي بالمنطقة.
أما إذا تحول التحالف إلى مجرد نسخة سعودية من التحالفات السابقة، فإن البحر الأحمر قد يصبح ساحة جديدة للحرب بدلاً من أن يكون بداية لنظام أمني جديد.
ولهذا فإن أهمية التحالف الذي أعلنت عنه الرياض لا تكمن فقط في حماية السفن، وإنما في السؤال الأوسع الذي يطرحه: هل بدأت السعودية فعلاً في بناء منظومة أمن إقليمية تستطيع من خلالها حماية مصالحها بنفسها، أم أنها تستعد لجولة جديدة من الصراع بالوسائل القديمة؟

معلومات إضافية

العدد رقم:
1290