تركيز الاستهلاك لدى الطبقات العاملة يُحرف الأنظار عن المجرمين الحقيقيين للمناخ
في رواية باربرا كينغسولفر الرائعة «سلوك الطيران»، تبرز شخصية ديلاروبيا تورنبو، التي تتعطل حياتها القاسية في مزرعة صغيرة بولاية تينيسي بسبب تداعيات تغير المناخ. في مشهد معبّر بشكل خاص، تطلب منها ناشطة بيئية زائرة التوقيع على تعهد لتقليص بصمتها الكربونية. فعلى أسرتها، على سبيل المثال، أن تقلل من استهلاك اللحوم الحمراء.
إيان أنغوس عن موقع المناخ والبيئة
«هل أنتِ مجنونة؟ أنا أحاول زيادة استهلاكنا من اللحوم الحمراء.»
«لماذا؟»
«لأن المعكرونة بالجبن لا تكفي، هذا هو السبب.»
كل نقطة في تعهدها بنمط الحياة الأخضر لا صلة لها بواقعها. فهو يخبرها بأن تستثمر في صناديق استثمار وأسهم مسؤولة اجتماعياً، وتأخذ بقايا الطعام من المطاعم إلى المنزل في أوعية بلاستيكية، وتسافر بالطائرة بشكل أقل – وهذا لامرأة لا تستطيع تحمّل تكاليف السفر أو الأكل في المطاعم، ولن تتاجر أبداً في البورصة. لا يوجد أي تغيير يمكن لديلاروبيا أن تفعله سيؤثر على أزمة المناخ.
هذا المشهد خيالي، لكنه واقعي للغاية. فالكثير مما يُعتبر فكراً بيئياً اليوم ينظر إلى تغير المناخ والمشاكل البيئية الأخرى على أنها إخفاقات في المسؤولية الشخصية يمكن حلها عن طريق الاستهلاك بشكل مختلف. لو أن الجميع قللوا من قيادة السيارات، واشتروا منتجات عضوية، وأكلوا لحوماً أقل، ووفّروا الماء، وسمدوا بقايا طعامهم، وخففوا التدفئة، وغيَّروا لمباتهم الكهربائية، لكان كل شيء على ما يرام.
«إطار الفرد» و«إطار النظام»
في كتابهم الثاقب «الأمر يعود إليك»، يميز عالما النفس السلوكي نيك تشاتر وجورج لونشتاين بين تفسيرين متنافسين للمشاكل الاجتماعية يسميانها «إطار الفرد» و«إطار النظام». فالأول يركز على الفعل الفردي، بينما يركز الثاني على تغيير النظام. وليس من المستغرب أن المصالح المؤسسية دعمت بقوة نهج «إطار الفرد».
«أدركت الشركات والصناعات بأكملها التي تستفيد من الوضع الراهن أنها تستطيع بفعالية صرف الضغط أو التغيير النظامي الذي قد يهدد نماذج أعمالها– أي التغييرات في السياسات التي قد تؤثر سلباً على أرباحها النهائية– من خلال إعادة صياغة المشاكل من «إطار النظام» إلى «إطار الفرد» مع علمها التام بأن مثل هذه الإجراءات من غير المرجح أن يكون لها تأثير كبير على المشكلات التي تستهدفها ظاهرياً، وبالتالي تشكل تهديداً ضئيلاً لأرباح الشركات النهائية...
«هذه هي الخدعة المؤسسية: أشِر إلى (إطار الفرد)، وتحرك على صعيد (إطار النظام)؛ زوّر قواعد اللعبة لكن ألقِ باللوم على المواطنين الأفراد في أي مشكلات اجتماعية ناتجة عن ذلك.»
البصمة الكربونية
النسخة الأكثر نجاحاً وخداعاً من تلك الخدعة تسمى «البصمة الكربونية». صيغ هذا المصطلح لأول مرة في أواخر التسعينيات، وكان في الأصل مفهوماً تقنياً لمقارنة التأثيرات المناخية للدول ذات الكثافات السكانية المختلفة. أصبح عبارة شائعة الاستخدام على نطاق واسع في عام 2004، عندما تبنته وكالة الإعلانات «أوغلفي آند ماثر» «لغسيل» صورة شركة النفط الثانية عالمياً من حيث الحصة غير الحكومية.
كانت شركة بريتيش بتروليوم (BP) قد أعادت تسمية نفسها مؤخراً باسم «بيوند بتروليوم» (ما وراء النفط)، لإبراز صورة صديقة للبيئة. وكجزء من هذا الجهد، أنشأت «أوغلفي آند ماثر» حملة إعلانية ناجحة للغاية حولت اللوم عن انبعاثات غازات الدفيئة من شركات النفط إلى الأفراد والعائلات. أنفقت BP مئات الملايين من الدولارات على إعلانات تحمل رسائل متنوعة من هذا القبيل:
«ما هي البصمة الكربونية على وجه الأرض؟ كل شخص في العالم لديه واحدة. إنها كمية ثاني أكسيد الكربون المنبعثة سنوياً بسبب الطاقة التي نستخدمها. احسب حجم البصمة الكربونية لأسرتك، وتعلم كيف يمكنك تقليلها، وكيف نقوم نحن بتقليل بصمتنا على bp.com/carbonfootprint.»
وكانت عناوين إعلانات أخرى: «حان الوقت لاتباع نظام غذائي منخفض الكربون»، و«يجب أن تأكل السيارات الخضروات أيضاً»، «وحوّل انتباهك لتقليل انبعاثات الكربون».
كانت هذه واحدة من أنجح حملات العلاقات العامة على الإطلاق. شركة ضخمة تدير آبار نفط، ومصافٍ، وخطوط أنابيب، وناقلات، وما يقرب من 19 ألف محطة وقود حول العالم، نجحت في تحويل اللوم عن تغير المناخ إلى المستهلكين الأفراد. أصبح حساب البصمة الكربونية لعائلتك مشروعاً مدرسياً شائعاً. كما قدمت شركات أخرى آلات حاسبة، وكذلك فعلت العديد من المنظمات غير الحكومية والحكومات. واليوم، يمكن لمستخدمي الهواتف المحمولة تحميل تطبيقات البصمة الكربونية التي تعد «بمساعدتك على بدء رحلتك الخضراء من خلال مساعدتك على الوعي بنوع الطعام الذي تستهلكه، وسفرك، وعادات استهلاك الماء والتسوق لديك.»
سواء كانت على الورق أو إلكترونية، فإن حسابات البصمة بسيطة بشكل أساسي: خذ جميع انبعاثات غازات الدفيئة من جميع المصادر واعزُها إلى المستهلكين النهائيين، ثم قسّمها وفقاً للاستخدام المفترض لكل مستهلك.
مطابخ الحساء
قد تكون الأرقام الناتجة مثيرة للاهتمام، لكنها غير ذات صلة إذا كان المستخدم لا يستطيع التحكم في المحتوى الكربوني لضروريات الحياة – ومعظم الناس لا يستطيعون ذلك. وجدت دراسة أجراها طلاب من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في عام 2007 أن شخصاً بلا مأوى في الولايات المتحدة، شخصاً لا يملك سيارة ويأكل في مطابخ الحساء وينام في الملاجئ، لا يزال (وفقاً لمنهجية حاسبة البصمة الكربونية) يصدر 8.5 ملايين طن من غازات الدفيئة، أي أكثر من ضعف المعدل العالمي. ولم يكن هناك أي شيء يمكن لذلك الشخص فعله حيال ذلك.
أكبر الانبعاثات ليست تحت السيطرة الفردية. إنها محصورة في شبكات الكهرباء، وسلاسل الإمداد الغذائي، والمباني، وأنظمة النقل، وغيرها – أنظمة لا يمكن لأي فرد الهروب منها. الغالبية العظمى من سكان العالم ليس لديهم خيار ذو معنى حول ما إذا كانت الكهرباء التي تزود منازلهم بالطاقة تأتي من الفحم أم الرياح؛ أو ما إذا كان لديهم إمكانية الوصول إلى وسائل النقل العامة أم يجب عليهم قيادة السيارات للذهاب إلى العمل؛ أو ما إذا كان الطعام الذي يمكنهم تحمل تكاليفه قد تم إنتاجه بوساطة الزراعة الصناعية. هذه القرارات تتخذها الشركات وبوساطة تشريعات شكلتها الشركات. بالنسبة لمعظم الناس، فإن حياة منخفضة الكربون ليست ممكنة ببساطة.
كما خلص طلاب معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، هناك «حدود كبيرة جداً للإجراءات الطوعية للحد من التأثيرات، سواء على المستوى الشخصي أو على المستوى الوطني.»
كما يكتب الباحث البيئي مايكل ماناتيس، فإن أسطورة الحياة الخضراء «خاطئة تماماً، من الناحية النظرية والتجريبية.»
الخيارات الخضراء
«الحقيقة المحزنة حول البيئية القائمة على نمط الحياة هي أن الخيارات الخضراء المتاحة في القائمة – بدءاً من تجنب أكياس التسوق البلاستيكية إلى تناول كميات أقل من اللحوم، ومن قيادة السيارات الكهربائية إلى السفر بالطائرة بشكل أقل، ومن تجنب الشلمونة البلاستيكية إلى كل ما يُروج له باعتباره أخضر – هي مجتمعة تافهة عند مقارنتها بحجم وسرعة الاعتداءات الحالية على البيئة. تافهة لدرجة أنه حتى لو فعل كل شخص على وجه الأرض قصارى جهده للعيش بشكل أخضر، فإن التأثير التراكمي لن يكون كافياً بأي حال من الأحوال للتعويض، ناهيك عن عكس، الدمار البيئي الذي يتكشف الآن على مستوى كوكبي. عندما يهتف دعاة الحياة الخضراء بأن كل القليل يساعد، فإنهم كطبيب يصف بانادول أو آيبوبروفين لمرض يهدد الحياة. بالتأكيد، قد يساعد على الهامش، لكن تأثيره العلاجي هو، في أحسن الأحوال، إلهاء عن العلاج الضروري والألم الأكثر عدوانية.»
تقدم الناشطة البيئية كريس كويمو حجة مماثلة:
«إنها حقيقة مهمة ولكن نادراً ما يتم تأكيدها أن التخفيضات التي يمكن للمستهلكين العاديين التحكم بها، مثل انبعاثات الأسر المعيشية والنقل الشخصي، غير كافية لخفض تركيزات غازات الدفيئة إلى مستويات أكثر أماناً، لأن الاستهلاك المنزلي والنقل الشخصي يشكلان حصة كبيرة ولكنها أقلية من إجمالي انبعاثات غازات الدفيئة في جميع أنحاء العالم...
«الخيارات التي يستطيع معظم الأفراد التفكير فيها فيما يتعلق باستخدام الطاقة والتكنولوجيا يتم تحديدها من الخارج، واستخدام الوقود الأحفوري منسوج في أي روتين منزلي أو ثقافة محلية بطرق يصعب تغييرها دون التسبب بمشاكل أخرى. مرة أخرى، القوة والسيطرة لهما صلة، فالكثير من الناس لديهم سيطرة قليلة على خيارات استهلاكهم العام للطاقة، مثل إمكانية الوصول إلى وسائل النقل العامة، أو الغذاء المزروع محلياً، أو مصادر الطاقة المتجددة.»
هذا لا يعني أن جميع أشكال الاستهلاك الشخصي خالية من اللوم. كما كتبت في مقال «أغرقوا اليخوت الفاخرة!»، فإن بعض الأفراد الأثرياء جداً يمكنهم بسهولة تقليل انبعاثاتهم الضخمة إذا اهتموا بالأمر، ومثل هذه التخفيضات سيكون لها تأثير كبير. لكن التركيز على الاستهلاك اليومي للطبقات العاملة يحرف الأنظار عن المجرمين الحقيقيين للمناخ، ويعيق أو يؤخر التغييرات المطلوبة حقاً.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1290