«لومبابا حيّ»...
خلال إحدى مباريات كأس العالم لكرة القدم يوم الثلاثاء، وقف رجل يرتدي بدلة حمراء في المدرجات، بشكل ثابت بلا حراك، لمدة 90 دقيقة كاملة.. ثم غطى فمه ووجّه مسدساً إلى رأسه.
قطعت كاميرات الفيفا البثّ فوراً!
اسمه ميشيل كاكا مبولادينغا، المعروف بلقب «لومبابا فيا»، والذي يعني: «لومبابا حيّ».
بقي هذا الرجل لأكثر من عشر سنوات واقفاً بلا حراك في كل مباريات جمهورية الكونغو الديمقراطية، مرتدياً بدلة وربطة عنق، ورافعاً ذراعيه، كتكريم حيّ لـ «باتريس لومبابا»، أول رئيس وزراء للكونغو المستقلة.
ألقى باتريس لومبابا خطاباً مؤثراً أمام بودوين، ملك بلجيكا، يوم استقلال الكونغو في 30 حزيران 1960، انتقد خلاله الاستعمار البلجيكي بشكل حاد وعاصف. وقد وصفه مالكوم إكس بأنه «أعظم رجل أسود وطأت قدماه القارة الإفريقية».
لكن بعد 6 أشهر من هذا اليوم، أقدم ضباط وجنود بلجيكيون على أسر لومبابا، قيدوه، وعذبوه، وأعدموه رمياً بالرصاص، ثم قُطّعوا جسده وأذابوه في الأسيد.. جلّ ما بقي منه كان سناً ذهبياً احتفظ به الضابط البلجيكي المسؤول لمدة 39 عاماً حتى توفي.
هذا الحدث هو بالضبط ما يخلّده «لومبابا فيا» في كل مباريات الكونغو، ببدلته وربطة عنقه، واقفاً بلا حراك لمدة 90 دقيقة.
لكن يوم الثلاثاء، خلال مباراة الكونغو ضد كولومبيا، أضاف شيئاً جديداً: غطى فمه وشكّل بيده مسدّساً وضعه على رأسه، بمثابة احتجاج صامت وصارخ على صمت العالم تجاه شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، التي تعاني واحدة من أشد الأزمات الإنسانية في العالم وأقلّها تغطيةً إعلامياً، أزمة شرّدت الملايين من البشر وأودت بحياة عدد لا يحصى من الناس بسبب العنف والمجازر.
وقد انتشر خبر «لومبابا فيا» بشكل واسع هذا الأسبوع، حيث غطته صحف ووكالات أخبار عالمية مثل «يو إس إيه توداي» و«وول ستريت جورنال» و«رويترز» و«سي إن إن» و«بي بي سي»، وقد شرحت كل واحدة منها صلة باتريس لومبابا بهذا الأمر.
إلا أن أحداً منها لم يذكر الصلة بين اغتيال لومبابا المدعوم من وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية/سي آي إيه، وبين الاستراتيجية الغربية لزعزعة استقرار الكونغو المستقلة، والكارثة الإنسانية الجارية في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية... فهذه الصلة ليست هامشية، وإنما هي القصة بأكملها.. ونذكرها هنا، لما لها ولاستراتيجيتها من ارتباط لا مع الكونغو وأزمتها فقط، وإنما مع عموم الأزمات الجارية عالمياً، ومن بينها منطقتنا، وسورية ضمناً.
فالقوى الغربية نفسها هي التي اغتالت لومبابا عام 1961، لأنه أراد أن تعود ثروات الكونغو المعدنية إلى شعب الكونغو نفسه، وأمضت 65 عاماً تفعل ما بوسعها لضمان عدم استقرار جمهورية الكونغو الديمقراطية، واستمرار تدفق معادنها من «الكوبالت» و«الكولتان» إلى شركات التكنولوجيا الغربية، بينما يُقتل شعبها في الشرق.
وفي منطقتنا، أمضت القوى الغربية مائة عام – منذ سايكس بيكو على الأقل – تفعل ما بوسعها للهيمنة على شعوبنا، وإعاقة تطورها. وبعد استقلالها تباعاً عن الاستعمار الأوروبي، تم ضرب حياتها وتطورها الوطني والديمقراطي، ونصّبت قواعدها العسكرية، وجرى دفعها مرة تلو أخرى نحو صراعات وحروب بينية و/أو داخلية، قومية ودينية وطائفية، بينما تنهب مواردنا من «النفط» و«الغاز» فضلاً عن غيرها، وتتحكّم بمسارات الطاقة، وتعبث بجغرافيتنا السياسية، وتُسيّد دميتها الزرقاء كخنجر على رقابنا.
وهو نفسه - بشكل آخر - ما جرى في أمريكا اللاتينية من انقلابات أطاحت بأنظمتها الديمقراطية، ثم تسيّد كارتيلات المخدرات والإتجار بالبشر لعقود عليها، قبل الانتقال مؤخراً لاستهداف ما بقي صامداً منها كما جرى في بوليفيا وفنزويلا، ويجري الآن في كوبا.
وقفة «لومبابا فيا» الصامتة هذه في المدرجات وإيماءة يديه الصارخة، قالت دون كلمات، ما يرفض العالم سماعه... في حين أوقفت كاميرات الفيفا تصويرها، وغطّت وسائل الإعلام هذا الحدث بشكل سطحي، متعمّد، دون التطرق إلى تاريخه ومعناه الحقيقي، بغية إخفائه وطمسه.
• مُترجّم بتصرّف عن نيلوبتال باسو، سياسي هندي - شيوعي، وعضو برلمان سابق.
نيلوبتال باسو