عن الخطر... بين عالَم نتنياهو وعالمنا

عن الخطر... بين عالَم نتنياهو وعالمنا

قال رئيس الوزراء «الإسرائيلي» بنيامين نتنياهو إن «العالم يفهم الآن ما كنا نقوله بأن إيران تشكل خطراً عالمياً»، وهذا الكلام صحيح، حقاً، من وجهة نظر «الإسرائيلي»، فنتنياهو هنا لا يكذب بقوله، وهو يدرك ذلك الخطر ويوجِّه حديثه لأولئك الزعماء الذين يتشاركون معه هذا العالم، لكنه ليس عالمنا نحن الـ 90٪ على الأقل من الشعوب المنهوبة والمقموعة والمسلوبة والمستعبَدة والمستعمَرة والمحتلة وإلخ... إنه خطر حقيقي على عالم الناهبين والمستعبَدين والمحتلين.

إيران، أيَّاً يكن موقف القارئ منها، لا يمكن مقارنتها بـ «إسرائيل» بأيِّ شكل كان، شتّان بين شعب ودولة أصيلين يدافعون عن أنفسهما مهما اختلفنا وتخاصمنا أو تقاربنا وتصادقنا بمختلف أنظمتها، وبين مستوطنين وكيان محتل غريبِين مصطَنعين يجرمون بالجميع مهما عقدت معهم هدنات أو اتفاقات سلام أياً تكن حكومات هذا الكيان.

على أية حال، وحتى وإن وضعنا جانباً فرق وتناقض العوالم الطبقي ذاك، ونظرنا إلى الأرض وسكانها ودولها وأنظمتها ككتلة واحدة محكومة بعالم مادي/بيولوجي واحد ومصير مشترك، فلا يختلف اثنان، أياً كان عالمهما الطبقي، أن الحرب النووية إن وقعت ستكون كارثة كبرى تهدد الوجود البشري بأسره، وفي هذا السياق، لا يختلف اثنان أيضاً، أياً كان عالمهما الطبقي، أن الخطر الأكبر الذي يدفع البشرية بخطوات مباشرة بهذا الطريق، والخطر الأكبر الذي يهدد بفتح باب كهذا، هو «إسرائيل» نفسها، ولا يحتاج الأمر الكثير من البحث لاستعراض مواقف وتحليلات مختلف السياسيين والعسكريين من مختلف الاتجاهات السياسية والعوالَم الطبقية لتجدهم يتفقون حول احتمالية أن تقدِم «إسرائيل» على استخدام النووي التكتيكي لتحقيق أهدافها، وبذلك تكسّر محرّماً/تابو كان قد وُضع منذ تفجيرَي هيروشيما وناكازاغي النوويين على يدي مشغِّله الأمريكي.

ومهما حاول الغرب شيطنة إيران، ومهما كان للقارئ من تشدُّد بموقف الخصومة تجاه نظامها، إلا أنه ما مِن دليل أو إشارة البتّة أفادت أو تفيد بسعي إيران لامتلاك السلاح النووي أساساً، فكيف باستخدامه؟ هناك الكثير من الادعاءات أن طهران كانت تعمل على «أنتاج الأسلحة النووية خلال فترة قريبة»، إلا أن ذلك لا يتعدى وصفه بـ «ادعاءات»، وهي ليست بجديدة، بل تعود لثلاثة عقود خلت، وفي كل مرة تستخدم بهدف ما، بينما ذاك الكيان «الإسرائيلي» المحتل المصطنَع يمتلك أسلحة نووية بالفعل، وهو «الدولة» الوحيدة التي لا تصرّح بعدد الرؤوس النووية التي تمتلكها، وهذا الكيان المجنون بات يهدد المنطقة بأسرها: إيران وتركيا ومصر وشبه الجزيرة العربية، واستهدف ويستهدف فلسطين ولبنان وسورية والعراق واليمن عسكرياً مباشرةً، والسودان وليبيا وإثيوبيا وغيرها عبر وكلاء، ولا يخفي عداءه لـ «سنَّة» و«شيعة» وغيرهم، أو هدفه بتقسيم دول المنطقة، كما لا يخفي طموحات توسع احتلاله واستيطانه نحو إقامة «إسرائيل الكبرى»، والضرب عرض الحائط القوانين والمواثيق الدولية عبر تاريخه آلاف المرات، وكل ذلك فضلاً عن تحركاته الاستخباراتية وابتزازه لقادة دول العالم بأكثر المواضيع إجراماً وانحلالاً، وما «ملفات إبستين» في هذا السياق إلا غيضٌ من فيض فرد واحد من منظومة متكاملة، وقع كبش فداء وباتت قضيته وملفاته عنوان وأداة تجاذبٍ وابتزاز بدورها، هذا الكيان الذي لا نجد في تاريخه سوى الإبادات والمجازر والجريمة... يحدِّثنا اليوم أنَّ «إيران تشكل خطراً عالمياً».

إيران... وروسيا والصين وكوريا الديمقراطية وفنزويلا وكوبا وإفريقيا وشعوب منطقة غرب آسيا، وشعوب العالم بأسره، جميعهم يشكلون «خطراً عالمياً» على الصهيوني الذي يرى نفسه «الشعب المختار» بكل عنصريّة، مبرراً على الدوام كل وحشيته تجاه من يراهم «حيوانات بشرية».

عملياً:

- «إسرائيل» والولايات المتحدة بقيادة ترامب هما من مزّقا الاتفاق النووي السابق الذي التزمت به إيران تماماً وتعاونت مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية ومفتشيها بشكل كامل.

- «إسرائيل» والولايات المتحدة هما من أقدمتا على استهداف إيران عسكرياً مرتين وسط مفاوضات دبلوماسية جارية حملت تقدماً وإشارات إيجابية.

- «إسرائيل» والولايات المتحدة هما من فجّرا حرباً ساخنة في منطقة غرب آسيا على ضفتي الخليج العربي، ويسعيان لتوريط بلدان المنطقة بها امتداداً للحرب الباردة المصطنَعة من قبلهما بعنوان الفالق «الشيعي/السني» على مر عقود.

- «إسرائيل» والولايات المتحدة هما من دفعا دول المنطقة: لبنان وسورية والعراق تجاه حروب أهلية دمّرت البلاد والعباد فيها.

- «إسرائيل» والولايات المتحدة هما من حرّضتها ودفعتا إيران والعراق لحرب دامية استمرت 8 سنوات استنزفت البلدين وأضعفت الشعبين.

- «إسرائيل» والولايات المتحدة هما من صنعا ودعما «القاعدة» الإرهابية في أفغانستان أولاً بمواجهة السوفييت في حينه، ثم استخدامها هي ومختلف أفرعها ومسمياتها اللاحقة في كل المنطقة وصولاً لـ «داعش».

- الولايات المتحدة هي من خطفت رئيس دولة مؤخراً!

- و«إسرائيل» هي من اغتالت رئيس دولة أخرى مؤخراً.

- الولايات المتحدة هي الدولة الوحيدة التي استخدمت السلاح النووي بتاريخ العالم.

- الولايات المتحدة و«إسرائيل» ووكلائهما من الإرهاب هم فقط من حمل وصنع وعزز عقلية استهداف «المدنيين» مباشرة، مِن الحصار والعقوبات الاقتصادية وصولاً إلى السلاح، بهدف زعزعة استقرار دولة ما، أو إضعاف قاعدة شعبية لجهة سياسية أو عسكرية ما، أو نفخ نار حرب أهلية داخل شعبٍ ما.

القائمة تطول جداً، ولا حاجة لوضعها كلها على أية حال، فما ذكر يكفي ويقضي الغرض المطلوب منه لمن أراد، أما في سياق الحرب الجارية الآن، فإن «إسرائيل» نفسها من تهدف وتسعى وتفعل ما بوسعها لتوسيع رقعتها لتطال كامل منطقة غرب آسيا وتوريط العالم بأسره بمثل هكذا «مستنقع» لا يمكن التنبؤ بكيفية تطوره، أملاً بإحداث تغيّر ما يتيح لها تحقيق أهدافها التي فشلت بها منذ 7 أكتوبر وحتى الآن وضمانة تفوّقها العسكري واستعبادها لشعوب المنطقة، ويتيح للغرب المجتمِع تحقيق ما فشل به منذ 24 شباط في أوكرانيا وحتى الآن.

نعم، هناك «خطر عالمي» جسيم، وإيران اليوم في منطقة غرب آسيا، كما روسيا في أوكرانيا، كما المقاومة في كل من غزة والضفة الغربية وجنوب لبنان، كما غيرهم بمختلف بقاع العالم وبمختلف الأشكال العسكرية والاقتصادية والسياسية والمدنية والفكرية، يواجهون هذا الخطر ويصدّونه بأكثر الأشكال صبراً وتحملاً وعقلانية ممكنة، مؤكدين على الدوام سعيهم للحوار والتعاون وللحلول السياسية والدبلوماسية، في حين يؤكد الغربيون: نفاوض عبر القصف وإشعال الحرائق وإسالة الدماء فقط.