افتتاحية قاسيون 1277: كبؤبؤ العين... علينا حماية حراك السوريين!
تزداد التحركات الاحتجاجية ذات البعد الاقتصادي- الاجتماعي، المطلبي، عمقاً واتساعاً خلال الأشهر والأسابيع الأخيرة؛ حيث تتراوح التقديرات بين 50 وأكثر من 80 وقفة واعتصاماً ومظاهرة خلال الأشهر الثلاثة الماضية، وفي مختلف المناطق السورية.
وكان التقرير السياسي المقدم للاجتماع الثاني للمجلس المركزي لحزب الإرادة الشعبية (12 نيسان 2026)، قد رأى أن «مستوى عدم الرضى في المجتمع عن الأوضاع المعيشية هو في ارتفاع مطرد، وإذا كان عدم الرضى هذا يعكس درجة معينة من الاستياء، فإن هذه الدرجة بلغت اليوم مستوى معيناً من النشاط في المجتمع ... ما أدى إلى ازدياد الحركات الاحتجاجية المطلبية العفوية».
وأضاف: «التقييم العام للمرحلة السابقة، يسمح بالاستنتاج أن الميل العام سيكون نحو ازدياد هذا الشكل من الاحتجاجات، والهام هو إنجاحها لقطع دابر التعبئة الطائفية والمناطقية التي يسعى إليها البعض بشكل واع، وكذلك قطع الطريق على بعض القوى في الخارج، التي تحاول الاستثمار في هذا الاستياء الشعبي».
إنّ فهم هذه الظاهرة بشكل موضوعي وعلمي، هو ضرورة وطنية لا غنى عنها، من أجل التعامل معها بشكل إيجابي والبناء عليها بما يوحد السوريين ويرفع المظالم عنهم، وبما يوحد البلاد ويحميها من الأخطار العديدة المحدقة بها.
في هذا الإطار، يمكن تثبيت الأفكار التالية:
أولاً: ارتفاع منسوب عدم الرضى عن الأوضاع الاقتصادية الاجتماعية المعيشية، يعكس حقيقة أن الإجراءات الاقتصادية المتبعة، (من خصخصةٍ ورفعٍ للدعم وضربٍ لما تبقى من الإنتاج الوطني وإضعافٍ للدور الاجتماعي لجهاز الدولة، ومسايرةٍ لوصفات صندوق النقد والبنك الدوليين)، هي بمجموعها تكرار واستكمال لجوهر السياسات الاقتصادية الليبرالية التي كانت متبعة أيام بشار الأسد منذ 2005 على الأقل، وكانت سبباً أساسياً في انفجار الحراك الشعبي عام 2011.
ثانياً: بقاء السياسات الاقتصادية ذاتها من حيث الجوهر، فتحَ الباب أمام السوريين للتخلص من كم كبير من الأوهام «السياسية» التي راجت خلال السنوات الطويلة الماضية، والقائلة بأن مجرد تغيير السلطة يعني تغيير النظام، وبالتالي فقد فتح الباب لتجذير حراك السوريين باتجاه العدالة الاجتماعية ورفع المظالم، باعتبارها الهدف المركزي لهم.
ثالثاً: هذا الهدف المركزي يعني ضمناً أن محاولات تقسيمهم هذه المرة، على أسس قومية أو طائفية أو دينية أو سياسية مشوهة، ستكون أكثر صعوبة، وسيرى الشعب السوري (أي 95% من السوريين المفقرين المنهوبين المتضررين من السياسات الليبرالية) بشكل أوضح أن له مصالح واحدة مشتركة تجمعه وتوحده.
رابعاً: من الواضح أن الواقع الموضوعي لجهاز الدولة وللسلطات وللمجتمع السوري اليوم، إضافة إلى طبيعة الأوضاع الإقليمية والدولية، كل ذلك يجعل من المستحيل عملياً تكرار طرق وآليات قمع الحركة الشعبية التي جرى استخدامها أيام بشار الأسد؛ ما يعني أن الإمكانات الموضوعية لتطور حراك الناس بشكل سلمي ومنظم وبعيد عن التدخلات الخارجية، هي إمكانات حقيقية وعالية. لا يعني ذلك أنه لن تكون هنالك محاولات لتخويف الناس وقمعهم واعتقالهم، (كما جرى في بعض الحالات بشكل مستهجن وغير قانوني)، ولكنه يعني أن القدرة على القيام بهذا النوع من الإجراءات باتت أضيق بما لا يقاس من السابق.
خامساً: من الواضح أيضاً، أن الناس هذه المرة، وبناء على تجربتها المرة، لن تسمح لأحد، في الداخل أو في الخارج، بالتسلق على مطالبها المحقة، وستسعى هي نفسها لاختيار وتصنيع قياداتها وممثليها.
أخيراً:
إن تحرك السوريين من أجل مصالحهم وأرزاقهم وكراماتهم، هو تحرك موضوعي وطبيعي، ينبغي تشجيعه والتعامل معه بطريقة إيجابية، وينبغي حمايته والحرص عليه كبؤبؤ العين، لأنه يمكن أن يتحول إلى أفضل ما أنتجته سورية عبر عقود عديدة، ويمكنه أن يتحول إلى أساس صلب لتوحيد الشعب السوري ولتحصين سورية من الداخل ولإغلاق الثغرات المختلفة التي يتسلل منها الخارج... ويمكنه، وحده في حقيقة الأمر، أن يضع الأساس لبناء سورية العادلة الموحدة القوية التي يقرر أبناؤها مصيرهم بأنفسهم ودون أي تدخل أو ابتزاز خارجي...
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1277