حرب الخليج الثالثة: بين النتائج الأولية...وتعثر التفاوض
رمزي السالم رمزي السالم

حرب الخليج الثالثة: بين النتائج الأولية...وتعثر التفاوض

دون الانخراط في الجدل حول المنتصر والمهزوم في الحرب الدائرة في الخليج منذ شهر، ثمة حقائق موضوعية، ونتائج أولى أفرزتها الحرب، باتت محل إجماع كل المراقبين.

أولاً: انكشاف النظام الدولي، عملاقٌ بأقدام من طين...


أثبتت أزمة إغلاق مضيق هرمز، أن النظام الدولي الراهن يعاني من «شيخوخة» وهشاشة مرعبة. فكيف لممر مائي واحد أن يؤدي إلى استنفار وقلق القوى الكبرى شرقاً وغرباً، ومخاطر تضخم وركود؟ إن هذا الترهل لم يكشف فقط عن ضعف سلاسل التوريد، بل وضع اقتصادات(رائدة) كانت تظن أنها محصنة في حالة من التخبط والانكشاف، مما أدى إلى انزياحات في الاستقطابات الدولية، وعمق في الفجوة بين واشنطن وحلفائها التقليديين، الذين وجدوا أنفسهم أمام نظام دولي لا يقدم لهم سوى الأزمات، حيث اضطر كل طرف أن يعمل على ضمان مصالحه الخاصة.


ثانياً: إفلاس نموذج الدولة التابعة


لعل الدرس الأكثر مرارة كان من نصيب نموذج «الدولة التابعة» والاقتصاد الريعي، لقد أثبتت الأزمة، أن هذا النموذج رغم كل مظاهر الاستهلاك الترفي، بات على حافة الإفلاس التاريخي؛ فهو لم ينجح في حماية سيادته، ولم يجد في «المظلة الأمريكية» الحماية الموعودة. لقد كان مستوى تأثر الدول بنتائج الحرب يزداد طرداً مع مستوى تبعيتها لواشنطن، فلم تشفع (الخدمات المجانية) التي قدمتها دول كدول الخليج على مدى عقود في نيل الأمان، وهي التي تدين لها واشنطن بأحد أهم أعمدة الهيمنة خلال العقود الأخيرة (البترودولار) بل على العكس، حاولت واشنطن وما تزال استثمار التناقضات، وزج حلفائها في معركة مباشرة مع إيران، لم يعلنوها ولا ناقة لهم فيها ولا جمل، مما جعلهم قاب قوسين أو أدنى من أن يكونوا مجرد «ضحايا» في حسابات الصراع الكبرى.


ثالثاً: فشل الشرق الأوسط الجديد


عملياً، سقطت فكرة (الشرق الأوسط الجديد) على الطريقة الأمريكية- «الإسرائيلية». فالمشهد الحالي، أكد تصاعد دور المراكز الإقليمية (مصر، تركيا، السعودية، باكستان)، حيث كان لهؤلاء الفاعلين دور ملموس وحاسم في فرض الهدنة، وترتيب الأوراق بالتنسيق مع الصين. هذا البروز للمحور الإقليمي- الآسيوي، يعني أن الحلول لم تعد تُطبخ في الغرف المغلقة في واشنطن وحدها، وإن عواصم المنطقة - على أقل تقدير- باتت شريكة، وبدأت تدرك أن أمنها مرتبط بتفاهمات إقليمية، لا بإملاءات خارجية، ومشاريع دولية.


رابعاً: تناقضات الداخل الإيراني


أما على المقلب الإيراني، فالمشهد يفرض سؤالاً جوهرياً: كيف لدولة تناطح القوة العسكرية الأولى في العالم، وقادرة على التحكم بأحد أهم مفاصل التجارة الدولية، وتمتلك العديد من الأوراق الأخرى، أن تظل مكبلة بتناقضات داخلية؟ كأن تفتح معركة مع شعبها حول ارتداء غطاء الرأس من عدمه؟ أو تعتقل الآلاف من كفاءات فنية وعلمية واجتماعية بسبب آرائهم السياسية؟ أو تنفذ أحكام إعدام متلاحقة.. أو..!
تملك السلطة في طهران اليوم فرصة ذهبية للتصالح مع قوى المعارضة الوطنية، والكثير من الشخصيات الثقافية والأكاديمية المؤثرة، التي أعلنت موقفاً صريحاً ضد الحرب. فالمواجهة ليست عسكرية فحسب، بل هي صراع شامل (اقتصادي وسياسي ودبلوماسي، وتكنولوجي، وثقافي) يتطلب أرقى أشكال الوحدة المجتمعية. إن فشل واشنطن في إحداث «انقلاب على الطريقة الفنزويلية» حتى الآن في إيران، لا يعني أن الحرب انتهت، فما جرى لم يكن إلا معركة في حرب طويلة، ولا يمكن ردع الجبروت العسكري لواشنطن بشكل فعلي، وقدرتها على العبث من خلال استثمار التناقضات الداخلية، دون معالجة عميقة وجذرية لهذه التناقضات، وخصوصاً قضايا الحريات والنموذج الاقتصادي، والتعدد القومي والديني.
بعد تعثر مفاوضات إسلام أباد، يتجه المشهد على الأرجح نحو نوع من التسوية الهشة المؤقتةً، تؤسس لجولة أكثر تعقيداً من الصراع متعدد المسارات، تحاول واشنطن من خلاله زج دول الإقليم- أو بعضها على الأقل- في صراع مباشر مع إيران، وتفجير تناقضات الداخل، مستندة على الاختراقات المزمنة بين كل الأطراف، وذلك ضمن محاولة استنزاف كل دول المنطقة، في صراع بيني وفوضى شاملة، تسمح لواشنطن بإدارة الأزمة عن بعد.
بكل الأحوال: إن العالم الذي سبق (الحرب) ليس هو العالم الذي تلاها. لقد انتهى زمن التبعية المطلقة، وبدأ زمن البحث عن التوازنات الصعبة، حيث السيادة لا تُمنح كمنحة دولية، بل تُنتزع من خلال التنمية المستقلة، ودمقرطة الكيانات الوطنية، والديناميكية السياسية، التي تقرأ التحولات العالمية بكل أبعادها وضروراتها واحتمالاتها.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1274