افتتاحية قاسيون 1267: جولة جديدة... والتراجع الأمريكي سيتعمق

افتتاحية قاسيون 1267: جولة جديدة... والتراجع الأمريكي سيتعمق

بدأت كل من «إسرائيل» والولايات المتحدة الأمريكية، جولة جديدة من العدوان على إيران، يوم السبت 28 شباط 2026، بعد حوالي 8 أشهر على انتهاء الجولة الأولى من العدوان، والتي باتت تعرف بـ«حرب الـ 12 يوماً». وكما كان الأمر في المرة الأولى، انطلق العدوان في خضم عمليات التفاوض، بل وبعد يوم واحد من إعلانات الوسيط العماني، أن تقدماً مهماً قد تم إحرازه؛ ليتضح مرة أخرى، أن الأمريكي و«الإسرائيلي» لا يمكن أن يؤمن جانبهما بحال من الأحوال، ولا يمكن أن يُنتظر منهما إلا الخراب والفوضى.

 

بدأت الجولة الجديدة بقتل القيادات التي من المفترض أن واشنطن تتفاوض معها، وفي مقدمتها المرشد الإيراني علي خامنئي. التجربة السابقة تثبت أن سياسة «قطع الرؤوس» التي تنتهجها «إسرائيل»، أصبحت أقل قدرة على التأثير مع تكرارها، وباتت تصل إلى نتائج عكسية في نهاية المطاف.

ورغم أن الحرب ما تزال في يومها الثاني، وما يزال من المبكر الحديث عن نتائجها، إلا أن ما يمكن تثبيته حولها، هو النقاط التالية:

أولاً: الأهداف المعلنة أمريكياً و«إسرائيلياً»، والمتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني، والبرنامج الصاروخي، ودعم المليشيات، والحريات الداخلية، هي مجرد ذرائع لا علاقة لها بالأهداف الحقيقية؛ فمن يدعم حريات شعب من الشعوب لا يبدأ حربه بقتل أكثر من 100 طفلة في مدرسة ابتدائية. ولعل من المفيد في هذا السياق استحضار موقف حزب توده الإيراني المعارض، والذي دفع أثماناً كبرى لمعارضته السلطات الإيرانية منذ 1979 وحتى الآن، قتلاً واعتقالاً وتهجيراً، ورغم ذلك، لم تختل بوصلته الوطنية والطبقية؛ ففي بيانه الذي أصدره عقب انطلاق العدوان يقول: «إن العدوان العسكري للإمبريالية الأمريكية والحكومة الإسرائيلية، ليس فقط لا يبشر بتحرير إيران من نير الاستبداد والحكومة الديكتاتورية الحالية، بل هو أيضاً محاولة لتدمير إيران كدولة إقليمية قوية واستبدال نظام ولاية الفقيه بحكومة تابعة واستبدادية أعلنت بالفعل عن برنامج قمع دموي لمعارضيها».

ثانياً: إسقاط النظام في إيران هو هدف واضح من أهداف هذه الحرب، ولكنه ليس الهدف النهائي، بل وسيلة في تعميم الفوضى داخل إيران نفسها، وصولاً لتقسيمها على أسس قومية، ووصولاً إلى نشر الفوضى والاقتتال البيني في كامل منطقة الشرق الأوسط ووسط آسيا.

ثالثاً: الفوضى المطلوبة، تستهدف في آن معاً هدفين استراتيجيين أساسيين؛ الأول: هو إعاقة تقدم القوى الصاعدة وخاصة الصين وروسيا، عبر تفخيخ الحزام والطريق وممر شمال جنوب والمشروع الأوراسي. الثاني: هو إعادة رسم الخرائط لتصنيع «إسرائيل الكبرى»، واستعباد شعوب ودول المنطقة بمختلف قومياتهم وأديانهم وطوائفهم.

رابعاً: نشر الفوضى في منطقتنا، ومحاولة إعاقة مشاريع الصاعدين، ومحاولة فرض «إسرائيل الكبرى»، ليس نتاج فائض قوة غربية-أمريكية-«إسرائيلية»، كما قد يبدو الأمر على السطح، بل هو العكس تماماً؛ هو هروب إلى الأمام من الأزمة البنيوية العميقة، ببعدها الاقتصادي خاصة، وهو محاولة لكبح عملية التراجع على المستوى الكوني للقوة الأمريكية، ومعها «إسرائيل».

خامساً: الانقسام ضمن النخبة الأمريكية والغربية عموماً، سيعبر عن نفسه بوضوح أكبر مع النشاط الصهيوني الذي نصب لترامب فخاً عبر هذه الحرب الجديدة، والتي ستكون نتيجتها المؤكدة على الجانب الأمريكي، هي المزيد من التراجع والانقسام الداخلي، أياً تكن نتائجها.

سادساً: بالنسبة لـ«إسرائيل الكبرى»، فهي أيضاً محاولة للهروب إلى الأمام، ولكسر المنظومة الإقليمية الجديدة التي بدأت بالتشكل، منظومة «طوق الطوق» والتي ستدفعها هذه الحرب إلى مزيد من التبلور، بغض النظر عن المواقف الإعلامية المؤقتة. ونقول: إنها هروب إلى الأمام، لأن «إسرائيل» كمشروع صهيوني باتت أمام احتمالين؛ الكل أو لا شيء، إما «إسرائيل الكبرى»، وإما الزوال؛ والزوال أقرب واحتمالاته أعلى، انطلاقاً من التوازنات الحقيقية للقوى على المستوى الدولي والإقليمي.

أخيراً: في سورية، التي تظهر اليوم هامشية وثانوية وضعيفة، فإن انتصار الكيان «الإسرائيلي» يعني استعبادها، واستعباد شعبها، ورفع احتمالات تقسيمها بشكل نهائي. ومن جهة ثانية، فإن الوسيلة الوحيدة لإيقاف التدهور والضعف هي سد الثغرات الداخلية الكبرى، ابتداء بتوحيد الشعب السوري بشكل حقيقي، وعبر المشاركة الحقيقية المستندة إلى مؤتمر وطني عام، جامع وشامل، وصاحب صلاحيات كاملة، يكون أداة بيد السوريين في تقرير مصيرهم بأنفسهم...

(English Version)

معلومات إضافية

العدد رقم:
1267
آخر تعديل على الأحد, 01 آذار/مارس 2026 18:21