افتتاحية قاسيون 1261: لا حل إلا بتجاوز «عقلية الحزب القائد»

افتتاحية قاسيون 1261: لا حل إلا بتجاوز «عقلية الحزب القائد»

أنتج المرسوم رقم 13 الذي صدر يوم الجمعة الماضي 16/1/2026، بخصوص القضية الكردية في سورية، بالتوازي مع اتفاقات عملية على الأرض بين الحكومة وقسد، جواً إيجابياً في البلاد المتعطشة إلى وقف سفك الدم، وإلى التوافقات بين السوريين بدلاً من الاقتتال.

 

ورغم أهمية هذه الأجواء، إلا أن عمليات التحريض والدفع باتجاه صدام عسكري ما تزال قائمة، وإن كانت بمعظمها ذات طابع إعلامي-سياسي. والمعروف أن صاحب المصلحة الأولى في الدفع نحو الصدام والاقتتال هو «الإسرائيلي» الذي لا يوفر فرصة لإراقة الدم السوري إلا ويغتنمها، ولا يوفر فرصة لمحاولة تخريب مبادرة السلام في تركيا إلا وينتهزها؛ وهو ما عبرت عن إدراكه تصريحاتُ مسؤولين ومحللين أتراك، وكذلك تصريحات أوجلان الأخيرة من سجنه، التي اعتبر فيها تصاعد التوترات والاشتباكات في سورية، إنما يستهدف مبادرة السلام في تركيا.

وإذا كانت احتمالات الصدام الفوري واسع النطاق ما تزال منخفضة موضوعياً، إلا أن حالة الاستقرار النسبي التي يمكن أن تنشأ، ستكون محكومة بالانتهاء عاجلاً أم آجلاً ما لم يتم الانتقال من الاتفاقات الجزئية إلى اتفاق شامل بين السوريين على مستوى البلاد، وعبر مؤتمر وطني عام شامل وكامل الصلاحيات.

ما ينبغي الوقوف عنده والتفكير فيه ملياً، هو أن ما أوصل البلاد عبر عقود إلى ما هي فيه من تمزق وفوضى وضعف، إنما هو عقلية «الحزب القائد» التي كانت دائماً الغطاء لاحتكار السلطة والثروة، والتي ناضل السوريون ضدها طوال عقود، ولكنها لم تنته بشكل كامل بعد، وهي اليوم تطل برأسها من جديد عبر الدعوات إلى رفض الحوار والركون إلى السلاح.

إن الاتكاء على السلاح وعلى الجبر والقسر، كان المسبب الأول لتقسيم الأمر الواقع الذي ما نزال نعيشه، واستمرار الاتكاء على السلاح يعني تحويل تقسيم الأمر الواقع إلى تقسيم دائم، مترافق مع سفك مستمر ومتصاعد للدم السوري من كل الأطراف والمكونات الاجتماعية والسياسية.

أمام السوريين اليوم فرصة لتثمير نضالاتهم عبر عقود، عبر نسف عقلية الحزب القائد بشكل كامل، مرة وإلى الأبد، لأن سورية لا يمكن أن تحكم بحزب واحد، أو فئة واحدة، أياً يكن ذلك الحزب، وأياً تكن تلك الفئة.

المدخل لتحقيق ذلك هو الحوار الحقيقي بين السوريين، الحوار ضمن مؤتمر وطني عام كامل الصلاحيات، على طاولته يتم وضع كل القضايا الخلافية والاتفاق على حلول لها.

أولئك الذين يقفون ضد الحوار، يعبرون عن خوفهم من خروج صوت السوريين حراً موحداً متوافقاً؛ لأن صوت السوريين حين يتوحد، فإنه سيبحث عن المشتركات الحقيقية بينهم قبل كل شيء آخر، وأهم مشتركات السوريين اليوم اثنتان:

أولاً: أن أكثر من 90% من السوريين يعيشون تحت خط الفقر.

ثانياً: أن أكثر من 90% من السوريين لا صوت لهم في تقرير مصيرهم، ولا وصول لهم إلى مطابخ السياسة وأماكن صنع القرار. أي باختصار، المشترك الأساسي بين الأغلبية الساحقة من السوريين، من كل القوميات والأديان والطوائف، أنهم محرومون من الثروة ومن السلطة، وحين تكون لهم الكلمة على طاولة حوار وطني شامل، فإنهم سيأخذون بيد بعضهم البعض لاستعاد الثروة والسلطة، وباتجاه توحيد البلاد بغض النظر عن الانتماءات القومية والدينية والطائفية، التي يحوّلها تجار الحروب إلى أدوات لتكريس نهب الناس وقمعها...

أمامنا فرصة لن تتكرر كثيراً، فلنمض إلى الحوار الحقيقي عبر المؤتمر الوطني العام، وعلى وجه السرعة، وإلا فإن أي حل جزئي سينفجر مجدداً، عاجلاً أو آجلاً، وعاجلاً في أغلب الأحوال، لأن أطرافاً خارجية عديدة تشتغل على التفجير، وعلى رأسها «الإسرائيلي».

(English Version)

معلومات إضافية

العدد رقم:
1261
آخر تعديل على الأحد, 18 كانون2/يناير 2026 18:37