بين المرسوم وتجدد الحرب: درس جديد متكرر.
لم يكد حبر المرسوم رقم 13، ولا اتفاق الانسحاب من دير حافر ومسكنة، أن يجفّ حتى عادت المعارك لتشتعل بين الجيش وقوات سورية الديمقراطية. مشهد يتكرر بإلحاح مملّ، ويقدّم درساً أولياً لا يحتاج إلى كثير من الذكاء السياسي: ثمة من يعمل، بوعي أو بوظيفة، على إفشال أي محاولة تفاهم، والإبقاء على الطرفين تحت الضغط الدائم، بحيث تُنتزع التنازلات بالتقسيط، مرة من هنا ومرة من هناك، دون الوصول إلى تسوية حقيقية.
بعيداً عن الاتهامات المتبادلة حول من خرق الاتفاق أولًا- وهي اتهامات لا تخلو من الصحة في حالات كثيرة، لكنها تبقى تفصيلاً ثانوياً في مشهد مأزوم- تكمن المشكلة الجوهرية في طبيعة هذه الاتفاقات نفسها. اتفاقات ثنائية، هشة، تُصاغ في الغرف المغلقة، بلا غطاء سياسي وطني جامع، ولا آليات رقابة أو ضمانات تنفيذ حقيقية. إنها تفاهمات مؤقتة تُدار بعقل أمني، لا حلولًا سياسية تُبنى بعقل الدولة.
إلى جانب ذلك، يأتي دور “الراعي الدولي”، الذي يتدخل دائماً بعد فوات الأوان، أي بعد أن تُسفك الدماء، وتتعاظم الأحقاد، وتتعمق الانقسامات. عندها فقط يظهر في دور المنقذ، رغم أنه- بحكم نفوذه وأدواته- كان قادراً على منع الانفجار من الأساس. هذه الرعاية لا تسعى إلى الحل بقدر ما تسعى إلى إدارة الصراع، وإبقائه تحت سقفٍ يُمكن التحكم به حسب مصالحه، مصالحه فقط.
لفهم ما يجري اليوم، لا بد من طرح السؤال الأوسع: ماذا يريد الأمريكي في هذه اللحظة، ليس في سورية وحدها، بل على مستوى الإقليم ككل، فالساحة الإقليمية هي ساحة واحدة بالنسبة إلى واشنطن، بدلالة تصريحات توم باراك على الأقل؟
الجواب، وإن بدا قاسياً، بسيط في جوهره:
- ابتزاز تركيا عبر الملف الكردي.
- وابتزاز الكرد عبر تركيا.
معادلة دائرية مغلقة، يُبقي فيها الطرفان في حالة قلق وصراع وتوجس دائم، بحيث لا يملك أيٌّ منهما ترف الخروج من العباءة الأمريكية. وكل طرف يحاول التقاط أنفاسه خارج هذه العباءة، يجد الطرف الآخر جاهزاً للانقضاض عليه، إما بدعم أمريكي مباشر، أو عبر غضّ الطرف المتعمد، كما يجري اليوم في معارك الرقة ودير الزور بين الجيش السوري وقوات سورية الديمقراطية.
كأن الرسالة واضحة: افعلوا ما تشاؤون، اقتتلوا، تفاوضوا، تصالحوا جزئياً، لكن تحت رعايتي، وضمن هوامشي، وبما لا يُخلّ بتوازن الابتزاز القائم.
في ظل هذا الواقع، ومع الحذر والتوجس المتبادل، يمتلك الطرفان من الأوراق ما يكفي لاستنزاف بعضهما بعض. تركيا، كقوة عسكرية، ووزن جيوسياسي كبير، والكرد، ككتلة سكانية موزعة على أربع دول، يقودها الضغط المتراكم إلى التقارب حيناً، وإلى التصادم حيناً آخر، في ظل شعور دائم بخطر وجودي يلوح في الأفق.
لكن السؤال الحقيقي يبقى: ما البديل؟
حقائق الجغرافيا السياسية، والتاريخ السياسي للمنطقة، وكل وقائع القرن الماضي، تؤكد حقيقة واحدة لا يمكن القفز فوقها: لا حل دون اعتراف الكل بالكل، ودون الانتقال من منطق الغلبة إلى منطق التفاهم، ومن إدارة الصراع إلى تسويته. الحل الوحيد الممكن هو الوصول إلى توافقات سياسية شاملة، تفتح أفقاً لبناء نموذج تنموي مستقل، قادر على استيعاب التنوع القومي والديني، بدل تحويله إلى وقود دائم للحروب.
قد يبدو هذا الكلام مثالياً، أو غير واقعي في ظل الحرب المشتعلة، والأزمات المتعددة، لكنه في الحقيقة الحل الوحيد الواقعي. قوته لا تنبع من الرغبة، بل من موضوعيته، ومن كونه التعبير الأكثر اتساقاً مع مصالح شعوب هذه الرقعة الجغرافية: عرباً وكرداً وتركاً، وإيرانيين، وسائر الأقوام والجماعات التي دفعت ثمن صراعات لم تخترها.
وفي ظل التحولات الدولية الراهنة، وتراجع القدرة الأمريكية على فرض إرادتها المطلقة، قد تكون هذه اللحظة- رغم قسوتها- فرصة نادرة للانفلات من منطق الوصاية، والبدء بتأسيس سياسة تنقذ الجميع، أو على الأقل تمنع الغرق الكامل.
عودٌ على بدء
ينبغي العمل على الإيقاف الفوري للحرب الدائرة في محافظات الرقة ودير الزور، دون الرهانات التي تكشف كل يوم عن بؤسها، والمتجسدة في استقواء السوريين على السوريين، أو الاستقواء بالخارج، والعودة إلى التفاوض واتفاق اذار، أيّاً تكن نتيجة المعارك الحالية، فهذه الحرب- ولا كما يتوهم البعض- ستزيد الوضع تعقيداً، وربما تضيف تعقيدات جديدة لم تكن في الحسبان، تستنزف ما تبقى من سورية، وتدفع خطوة أخرى نحو التقسيم، إذا لم يتم تدارك الأمر بالسرعة القصوى رغم ما حدث.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1261
شيار فارس