افتتاحية قاسيون 1259: معنى الحدث الفنزويلي!

افتتاحية قاسيون 1259: معنى الحدث الفنزويلي!

على السطح، يبدو ما جرى في فنزويلا انتصاراً للأمريكي؛ القوي، المهيمن، الذي يبطش حيث يشاء ومتى يشاء، ويفرض إرادته بمختلف الوسائل، بما في ذلك بالحديد والنار والانقلابات العسكرية والإجرام. أما في العمق، فالصورة الحقيقية معاكسة تماماً، ويمكن تبينها بالنظر إلى الإحداثيات التالية:

 

أولاً: الافتراض المتسرع بأن اختطاف مادورو قد أرسى السيطرة الأمريكية على أمريكا اللاتينية، وافتراض أنه لن تكون هنالك مقاومة للسطوة الأمريكية، في فنزويلا نفسها، وفي مختلف دول أمريكا اللاتينية، هو افتراض خاطئ بالكامل؛ بالضبط لأنه يغفل عن تاريخ القارة في صراعها المستمر ضد واشنطن وبطشها ونهبها.

ثانياً: الكلام الأمريكي عن المخدرات والاستبداد، هو ذرائع لا تصمد لأي فحص تاريخي، ولا تقنع أحداً، خاصة حين تصدر عن واشنطن الداعم والراعي الأول للاستبداد والأنظمة العسكرية، وتجارة المخدرات في أمريكا اللاتينية طوال قرن كامل مضى. كما أن الذرائع الأمريكية المختلفة، لم تصمد أمام المطامع المعلنة والوقحة بالسيطرة على الثروات النفطية والمعدنية الفنزويلية الهائلة.

ثالثاً: وقائع الحياة أمور عنيدة، ولا ينفع معها القفز المظلي والإنزالات الانقلابية؛ التراجع الأمريكي الاقتصادي والسياسي والعسكري، هو أمرٌ واقع يعبر عن نفسه بشكل تدريجي ومتسارع في مختلف المجالات، وبالدرجة الأولى بالأزمة المالية-الاقتصادية ومن ثم الاجتماعية، التي تطرق باب الداخل الأمريكي بشكل متعاظم، والتي باتت بحكم المحققة في تنبؤات أهم الاقتصاديين حول العالم، بمن فيهم الاقتصاديون الأمريكيون أنفسهم.

رابعاً: التصعيد الذي تقوم به واشنطن في فنزويلا، هو تنفيذ ملموس لاستراتيجية الأمن القومي الجديدة المعلنة، والتي تحمل عنواناً أساسياً هو الانكفاء إلى نصف الكرة الغربي، ومحاولة تأمينه (أي وضعه تحت الهيمنة الكاملة للولايات المتحدة)، بالتوازي مع الانكفاء الشامل، وإعادة التموضع عالمياً، والتخلص من «أعباء الناتو»، و«عكس اتجاه العولمة».

خامساً: الانكفاء عن السيطرة العالمية، وعن العولمة، يعني بسيرورته، توقف الولايات المتحدة الأمريكية عن كونها قوة عظمى عالمية؛ ويعني النزول التدريجي على درج التطور التاريخي، نحو مرحلة السيطرة الإقليمية؛ أي إلى تلك المرحلة التاريخية التي ساد فيها مبدأ مونرو 1823 القائل بعدم تدخل القوى الأوروبية في شؤون دول نصف الكرة الغربي، مقابل التزام أمريكا بعدم التدخل في شؤون أوروبا...

سادساً: افتراض أن الأقطاب المضادة لواشنطن لم تستطع القيام بشيء لإنقاذ فنزويلا أو مادورو، واعتبار ذلك دليل ضعف، هو قصور في فهم كيفية سير الصراع الدولي؛ فما تريده الأقطاب الصاعدة، وعلى رأسها الصين وروسيا والهند، هو انكفاء أمريكي شامل، بالتوازي مع استمرار الاستنزاف على المستوى العالمي، واستمرار التقدم والتفوق في ميادين الإنتاج المادي الحقيقي بالدرجة الأولى، والذي تُبنى عليه السيطرة المالية والسياسية والعسكرية... عدم الانزلاق إلى مواجهات كبرى مباشرة، هو جزء أساسي من طريقة إدارة الصراع الدولي اليوم، والذي تسعى فيه الدول الصاعدة إلى تسهيل طريق التراجع والانكفاء الأمريكي، وصولاً إلى «انهيار في المكان»، يكون أخطر ما فيه هو الغبار الذي يثيره دون أن يؤدي إلى أضرار إضافية على المستوى العالمي... وبكلمة، يمكن القول: إن فنزويلا بالنسبة لواشنطن، ستكون شبيهة بأفغانستان بالنسبة للاتحاد السوفييتي.

سابعاً: المطروبون بالبطش الأمريكي، والهلعون من البطش الأمريكي، يشتركون في قفزهم فوق القانون التاريخي الموضوعي المتكرر: الإمبراطوريات إنما تنهار بالضبط في لحظة التوسع والنشاط العسكري الحربي الأقصى لها؛ لأن هذا التوسع كان دائماً تعبيراً عن انغلاق أفق حل الأزمات في الداخل، وبالتالي تصديرها للخارج... والمنظومة الغربية بزعامة واشنطن، وصلت إلى أقصى توسع ممكن في العالم بأسره بعد انهيار الاتحاد السوفييتي.

أخيراً: بما يخصنا بشكل مباشر في سورية، ينبغي أن نتعلم الدرس المكرر مئات المرات: الولايات المتحدة الأمريكية لا يمكن أن تكون حليفاً بحال من الأحوال، وحين تمدحك واشنطن، أو تتعاطى معك بإيجابية، (كاتصال ترامب بمادورو قبل ساعات من عملية الخطف، أو تطمينات ترامب لإيران قبل ساعات من قصفها)، فعليك أن «تحسِّس على رأسك»!

(English Version)

معلومات إضافية

العدد رقم:
1259
آخر تعديل على الأحد, 04 كانون2/يناير 2026 18:49