أحد الدروس المفيدة لنا من فنزويلا!

أحد الدروس المفيدة لنا من فنزويلا!

شكّل الحدث الفنزويلي صدمة للوعي العام على المستوى العالمي، خاصة بالنسبة لمن لم يقرأ تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية خلال ما يزيد عن مائتي عام؛ فبدا له المشهد، مشهد اختطاف/اعتقال رئيس دولة من قبل قوات خاصة لدولة أخرى، أمراً صادماً وغير مسبوق على الإطلاق، في حين أن التاريخ يقول لنا أشياء أخرى في هذا الخصوص.

الجزء الأكبر من «التفاعل الإلكتروني» مع الحدث، وخاصة على فيسبوك، انصرف إلى أشكال متعددة من التبسيط والتسطيح، كما هي العادة؛ وانقسم السوريون، كما ينقسمون تجاه أي حدث في الكوكب، بين شامت وحزين، وكل ذلك انطلاقاً من الانقسام الداخلي، وكأننا محور الكون، وكل ما يجري في كل بقعة منه، إنما يجري ليؤكد الاصطفافات القائمة أساساً في سورية.
إذا حاولنا تجاوز التبسيط المضر السائد، باتجاه قراءة تسعى لفهم ما جرى، وما يمكن أن نستفيد منه من دروس، ينبغي قبل كل شيء أن نُحيّد الأكاذيب الكبرى التي يقدمها الإعلام، والغربي خاصة، حول الهدف الأمريكي، أو «المبررات» الأمريكية لعملها العدواني والإجرامي (من وجهة نظر القانون الدولي على الأقل).


تجارة المخدرات


الذريعة الأكثر تكراراً في الخطاب الأمريكي لاختطاف مادورو ومحاولة السيطرة على فنزويلا وثرواتها، هي اتهام مادورو نفسه، والنظام السياسي في فنزويلا، بأنه يصنع المخدرات ويتاجر بها، ويصدرها للولايات المتحدة الأمريكية.
ينبغي هنا التذكير بعدد كبير من الوثائق السرية التي تم الكشف عنها، والتي أثبتت تورط المخابرات المركزية الأمريكية في تجارة المخدرات في أمريكا اللاتينية، وبينها وبين الولايات المتحدة. القضية الأكثر شهرة هي قضية «كونترا» (contras)، وهي جماعة مسلحة كانت تخوض حرباً مستمرة مع حكومة نيكاراغوا المناهضة للولايات المتحدة الأمريكية. الوثائق تكشف أن المخابرات المركزية الأمريكية CIA قد دعمت كونترا، وسهلت لها تجارة المخدرات، بما في ذلك باتجاه الولايات المتحدة، كجزء من الدعم المالي والتسهيلات المالية لتقوية الجماعة في وجه الحكومة في نيكاراغوا من جهة، ومن جهة أخرى، فقد دخلت CIA كشريك في التجارة، وحصلت على مبالغ طائلة استخدمتها لتمويل أعمالها السرية التي لا تتضمنها الموازنة المعلنة للمجمع الاستخباري ولوزارة الدفاع الأمريكية.
وربما من المفيد أيضاً التذكير بأن إسهام أفغانستان في تجارة الأفيون العالمية قبل الاحتلال الأمريكي لها عام 2001، كانت بحدود 12% وبعده وصلت إلى ما بين 80-90%! ولعل من المفيد التذكير أيضاً برقمين: عام 2000، قبل أن تفرض حكومة طالبان حظراً على زراعة الخشخاش وتجارة الأفيون، كانت نسبة أفغانستان من التجارة العالمية هي 70%، ومع الحظر انخفضت إلى 12% (ويرى باحثون ماليون كثر أن هذا الحظر كان أحد أهم أسباب غزو أفغانستان لأنه «قطع أرزاق» حيتان التجارة المتمركزين في الدول الغربية). الرقم الثاني، هو أنه في عام 2023، ومع انسحاب القوات الأمريكية وفرض حكومة طالبان للحظر مجدداً على الخشخاش وصناعة الأفيون وتجارتها، انخفض إنتاج الأفيون بنسبة تصل إلى 95% عام 23 مقارنة بعام 21 حين كان الأمريكي ما يزال موجوداً!
المثالان أعلاه هما الأكثر توثيقاً ووضوحاً، ولكن هنالك عشرات الأمثلة الأخرى حول العالم، والتي تدين الولايات المتحدة ومخابراتها المركزية، والبنوك الكبرى البريطانية والأمريكية، بوصفها المتاجر الأول بالمخدرات حول العالم... (وهو أمر أظهرته أزمة 2007-2009 المالية بوضوح ما بعده وضوح).
وإذاً، فالذريعة القائلة بأن الهدف الأمريكي هو «حماية الشعب الأمريكي من المخدرات»، هي ذريعة كاذبة وساقطة ولا تصمد أمام أي نقاش، ناهيك عن أن اتهام فنزويلا تحديداً بأنها رقم مهم في تجارة المخدرات هو ادعاء مخالف لتقارير الأمم المتحدة حول تجارة المخدرات العالمية، ومخالف حتى للإحصاءات الأمريكية الرسمية؛ فوفقاً للأمم المتحدة لا تظهر فنزويلا ضمن الدول العشر الأولى في العالم في تجارة المخدرات، ووفقاً للإحصاءات الأمريكية فإن 8% من المخدرات التي تدخل إلى الولايات المتحدة تمر عبر الممر الكاريبي، الذي تشترك فيه عدة دول بينها فنزويلا...


الديكتاتورية!


إذا كانت ذريعة المخدرات تحتمل بعض النقاش، مع علمنا بأنها ذريعة لا أكثر، فإن الحديث عن «إسقاط الاستبداد والديكتاتورية وفتح أبواب الحرية» حين يصدر عن الولايات المتحدة الأمريكية، هو حديث هازل وسخيف إلى أبعد الحدود حين نقرأ التاريخ... وحين نقرأ تاريخ أمريكا اللاتينية تحديداً، وتدخلات واشنطن فيها، يصبح حديثاً منفصلاً عن الواقع تماماً، منفصلاً حد الجنون...
فلننعش ذاكرتنا بما يلي:
- احتلت واشنطن نيكاراغوا بين عامي 1912 و1933 لقمع الثورة التي قامت فيها لمصلحة الحكم المستبد لأدولفو دياز، واحد من أكثر الحكام المستبدين والدمويين في تاريخ القارة.
- في غواتيمالا عام 1954 أطاح انقلاب عسكري مدبر من CIA بالرئيس المنتخب ديمقراطياً في حينه جاكوبو أربينيز الذي عمل على إحداث إصلاحات اقتصادية ضد نهب الشركات الأمريكية، ولمصلحة عامة الناس. نتج عن الانقلاب حكم عسكري دموي ومستبد مدعوم من الولايات المتحدة بقيادة الكولونيل كارلوس كاستيلو أرماس، الذي حكم لثلاث سنوات تلتها حرب أهلية وجملة انقلابات أخرى لمدة 30 عاماً!
- عام 1973 قادت CIA الانقلاب ضد الرئيس التشيلي المنتخب سلفادور أليندي وقامت بقتله، وعينت محله الديكتاتور المتوحش أوغستو بينوشيه الذي حكم تشيلي بالحديد والنار 17 عاماً وكان طوال تلك الفترة مدعوماً ومحتضناً ومحبوباً في الولايات المتحدة الأمريكية.
- لا يمكن أن نغفل طبعاً أن الولايات المتحدة كانت تدعم أيضاً الجنرال باتيستا في كوبا، والذي كان حاكماً دموياً ومستبداً، ينهب بلاده لمصلحة شركات الموز والشركات الأمريكية الأخرى، ولم تغفر لكاسترو وللكوبيين حتى يومنا هذا الإطاحة به عام 1959. ومعلوم أن باتيستا وصل للحكم عام 1952 بانقلاب عسكري مدعوم من الولايات المتحدة الأمريكية.
لا نريد أن نثقل على كاهل القارئ بتعداد المزيد من الأمثلة من أمريكا اللاتينية أو من دول أخرى حول العالم، ولكن الفكرة قد وصلت؛ فتاريخ الولايات المتحدة الفعلي حول العالم، وفي أمريكا اللاتينية خاصة، هو تاريخ دعم أنظمة ناهبة مستبدة عسكرية، وتاريخ انقلابات على الحكومات المنتخبة... ولذا فإن نقاش موضوع فنزويلا من وجهة نظر «دعم الديمقراطية ضد الاستبداد» هو نقاش أقل ما يقال عنه: إنه انفصال كامل عن الواقع وعن التاريخ...


الدروس المستفادة؟


لعل من المفيد أن نشير إلى حدثين تفصيليين بما يخص فنزويلا وإيران، حدثا خلال الأشهر الماضية لما لهما من دلالة.
قبل ساعات قليلة من الإنزال الذي قامت به قوات دلتا الأمريكية لاختطاف مادورو اتصل به ترامب لمدة عشر دقائق، وكان الحديث «إيجابياً» وفق ما عبر مادورو في آخر ظهور له من سيارته. وأشار مادورو إلى أن ترامب خاطبه بعبارة «السيد الرئيس» وهو أمر لم يكن يفعله سابقاً، واعتبر أن الأمر مثير للانتباه... وقد ظهر أن مادورو محق في انتباهه لهذا التغيير في اللهجة!
قبل بدء «إسرائيل» عملياتها العسكرية ضد إيران بأيام قليلة، كرر ترامب دون ملل أن المفاوضات تسير بشكل جيد، وأن الاتفاق بات قريباً... وفجأة بدأت العملية. وقبل اشتراك الولايات المتحدة في قصف إيران بساعات، كان ترامب يتحدث عن مساعيه لإنهاء الحرب والاتصالات التي يخوضها، مستبعداً أي احتمال لاشتراك أمريكي مباشر في الحرب على إيران.
الدرس الذي ينبغي تعلمه بما يخص الولايات المتحدة، هي أنها لا يمكن أن تكون موضع ثقة بأي حال من الأحوال. وأكثر من ذلك، حين تمدحك الولايات المتحدة، وخاصة ترامب، عليك أن «تحسس على رأسك» ...
في سورية، ينبغي أن نخرج من أيّ أوهام حول دعم واشنطن أو ترامب لسورية؛ وينبغي أن «تثير
انتباهنا»، المدائح التي يلقيها ترامب وتوم باراك وغيرهما يميناً وشمالاً!

معلومات إضافية

العدد رقم:
1259