افتتاحية قاسيون 1059: عالم... ما بعد أوكرانيا

افتتاحية قاسيون 1059: عالم... ما بعد أوكرانيا

ما يزال الحدث الأوكراني يحتل الموقع الأبرز على الساحة العالمية للأسبوع الثاني على التوالي. ورغم أنّ الأمر سيبقى كذلك لوقت غير قصير، حتى وإنْ انتهى في وقتٍ قريب طور العمليات العسكرية، إلا أنّ طبيعة المعركة الجارية، وكذلك الملامح الكبرى لعالم ما بعد أوكرانيا، قد بدأت بالتوضّح منذ الآن.

أولاً: انتهت الصلاحية التاريخية للنظام السياسي العالمي بشكله القائم، وممثلاً بالأمم المتحدة وبالمنظمات الدولية الأساسية جميعها، والتي ما تزال تعكس في تركيبتها وآليات عملها توازنات دولية عفا عليها الزمن. انتهاء الصلاحية هذا لا ينعكس في عدم قدرة هذه المؤسسات الدولية على حل المشكلات العالمية المختلفة فحسب، بل وأكثر من ذلك في كونها مسهماً في تعقيدها وتعميقها وإطالتها، انطلاقاً من التلاعب الغربي ضمنها، ما يعني أنّ إعادة النظر في تركيبتها جذرياً، وبما يناسب توازنات القوى الواقعية، بات أمراً ضرورياً وملحاً، وبشكل خاص ضرورة تمثيل دول وقارات ذات أوزان فعلية وبشرية كبرى في مجلس الأمن، (الهند وإفريقيا على سبيل المثال لا الحصر.

ثانياً: إذا كان التاريخ الحديث قد شهد حلّ حلف وارسو، فإنّ حلف الناتو استمر، بل وتمدد وتوسع محدثاّ ومستجلباً أزمات بعد أزمات. عالم ما بعد أوكرانيا ينبغي أن يكون خالياً من الأحلاف العسكرية، ما يعني أنّ وقت حل الناتو قد حان... وأما الأزمات الناشئة والتي يمكن أن تنشأ، فينبغي حلها عبر الأمم المتحدة (بعد إعادة تشكيلها)، وبالتوافق والتفاهم ضمن عالمٍ أكثر توازناً وعدلاً.

ثالثاً: العقوبات الغربية على روسيا، وخاصة فصل عددٍ كبيرٍ من بنوكها عن نظام التحويلات بين البنكية العالمية (سويفت)، وما سيتبع ذلك من تأثيرات على أسواق الطاقة والغذاء العالمية، ستسرع إلى الحدود القصوى، العمليات التي كانت جارية أساساً منذ ما يقرب العقدين؛ أي: أ- التراجع المطرد لقدرة النظام المالي العالمي القائم والمستند إلى سطوة الدولار. ب- تراجع إمكانات استمرار التبادل اللامتكافئ. ج- تطور العلاقات البينية بين الصين وروسيا، وكذلك بين روسيا والصين معاً، مع دول أخرى حول العالم، ضمن منظومة بريكس وغيرها، وصولاً إلى تحقيق الانقلاب الجيوسياسي في منظومة وخطوط التجارة الدولية، وفي تقسيم العمل الدولي.

رابعاً: الأزمات الاقتصادية والمالية، وعلى رأسها أزمات الطاقة والغذاء، ستبلغ خلال الأشهر القادمة ذروة ربما تكون غير مسبوقة. وعليه ينبغي أن نتوقع أنّ عمليات فرز عميق ستجري في كل الدول عبر العالم، وأنّ الموجة العالمية الجديدة من الحراكات الشعبية ستشمل الكوكب بأسره، وربما انطلاقاً من أوروبا بالذات هذه المرة.

خامساً: كل الأزمات الإقليمية التي أسهم النظام العالمي غير المتوازن والمحكوم بسطوة النهب الأمريكي، في تعقيدها وإطالة أمدها، ستتسع إمكانات حلها في قادم الأيام، مع التهاوي الفعلي لهذا النظام.

سادساً: بما يخصنا بشكل مباشر في سورية، فإنّ ضيق أفق وقصر نظر متشددين في النظام والمعارضة، يدفعهم إلى الاعتقاد بأنّ ما يجري من صراع عالمي من شأنه أن يفتح الباب مجدداً أمام طروحات «الحسم» و«الإسقاط» على حدٍ سواء. حقيقة الأمر أنّ ما كان يسمح لهذه الطروحات بالحياة هو شعرة معاوية بين روسيا والولايات المتحدة، أي فكرة الحوار الاستراتيجي واحتمالات التوافق... أما وقد قطعت هذه الشعرة، فإنّ الباب بات مشرعاً أمام تنفيذٍ حقيقي وكامل للقرار 2254، (الذي لم يرد الغرب يوماً تطبيقه)، ودون الغرب، ورغماً عنه إنْ تطلب الأمر، وعبر أستانا، كما أشار بشكل واضح الخبر الصحفي للكريملين حول الاتصال الهاتفي بين بوتين والأسد...

(English Version)

معلومات إضافية

العدد رقم:
1059