تسريع التطبيع... تسريع الانسحاب

تسريع التطبيع... تسريع الانسحاب

ليس خافياً على أحد من المتابعين للشأن العربي والفلسطيني، أن علاقات بعض الدول العربية مع كيان العدو ليست وليدة اليوم، لكن التسريع الذي شهدناه في عملية التطبيع خلال الأسابيع القليلة الماضية بين الإمارات والبحرين من جهة، والعدو من جهة أخرى، شرّع باب الأسئلة حول توقيت هذه العملية وأسبابها وأية ضرورة وقفت خلف تحويل التطبيع غير المعلن إلى تطبيع معلن بهذا الشكل وهذه السرعة.

من ينظر إلى طبيعة الاتفاقات الاقتصادية والأمنية والسياسية بين الأطراف المشاركة في العملية، لا بد أن يصل إلى استنتاجٍ حاسم بأن التطبيع ليس جديداً، وبأن ما جرى هو مجرد استكمال لعملية بدأت سابقاً وتظهير لاتفاقات وترتيبات سابقة، فالحديث عن مباحثات ترتبط بمجالات الطاقة المتجددة والنفط وموارد الغاز الطبيعي والتقنيات ذات الصلة وصولاً إلى مشاريع تحلية المياه هو ليس حديثاً بين أطراف شرعت للتو في تطبيع العلاقات بينها بالتأكيد.

تكرار ما فشل سابقاً

لا بدّ لفهم أسباب هذا التسريع من إدراك السياق الذي يأتي فيه، حيث إن التطبيع الذي يُعلن عنه الآن جاء بعد الفشل المدوي لصفقة القرن التي تم نعيها أمريكياً بعد تأجيلها مراراً وتكراراً، تحت حجج وذرائع مختلفة وصولاً إلى اختزال الصفقة برمتها بالموافقة الأمريكية على ضم كيان العدو أجزاء من الضفة الغربية، ومن ثم إعلان تأجيل عملية الضم أيضاً!
وبالعودة إلى بدايات الصفقة، فقد أكدنا في حينه أن الولايات المتحدة الأمريكية تحاول، من خلال إعلانها عن الصفقة، الذهاب إلى خط الدفاع الأخير بالنسبة لها بعد يقينها غير المعلن بفشل مخطط الفوضى الخلاقة الذي كان يهدف إلى تفجير جميع الفوالق القومية والدينية والطائفية في المنطقة، وبناء الاستحكامات على خط هام من خطوط التناقضات الأساسية، ألا وهو الصراع العربي «الإسرائيلي». بهذا المعنى، وإن كان واحداً من الأهداف الأمريكية من إعلان عمليات التطبيع في هذا التوقيت هو محاولة جديدة لبناء الاستحكامات على الخط المذكور آنفاً بعد فشل المحاولة الأولى، فإنه من الواضح أن ما يجري اليوم هو بديل هزيل عن الصفقة الميتة التي سبق للمستشار السابق للأمن القومي الأمريكي، جون بولتون، أن أكد أنها «لن تؤدي إلى أي مكان... ولن تثمر أي شيء... ولن يأخذها أحد على محمل الجد».

ترتيبات زمن الانسحاب

ثمة مشكلة لا تزال حاضرة في منطقتنا خلال تحليل هذا النمط من التحركات الأمريكية، وهي التعاطي مع واشنطن وكأنها لا تزال تلك القوة التي سادت وتزعمت الكوكب خلال النصف الثاني من القرن الماضي، بمعنى أن ما تريده سوف يتحول بالضرورة إلى أمر واقع، وأن ما تريده نابع من سياسات هجومية بالضرورة، ما جعل الكثير من المتابعين غير قادر على تصديق أن الولايات المتحدة تتخذ خطوات انسحابية من المنطقة بكل ما يلزم ذلك من ترتيبات ضرورية لتأمين عملية الانسحاب هذه، بما في ذلك بناء نوع من التفاهمات العربية «الإسرائيلية» في مواجهة إيران. ما يعني أن عملية تسريع إعلان التطبيع ناتجة عن ضرورة أخرى هي تسريع الانسحاب الأمريكي من المنطقة، الذي سيجري بمعزل عن هوية الرئيس الأمريكي المقبل، والتي لن تؤثر سوى على سرعة الانسحاب. هذا دون إغفال الأهداف الداخلية الانتخابية وغير الانتخابية لهذه العملية بالنسبة للولايات المتحدة، التي لم تصل في تاريخها كله إلى هذا المستوى من الانقسامات الداخلية، التي تهدد بشبح حرب أهلية جدية فيها، والكيان الذي لم يستطع حتى الآن الخروج من أزمة الحكم والانقسام العميق بين مكوناته السياسية الداخلية.

القضية لن تحل
إلّا وفق الموازين الجديدة

بالإضافة إلى ما سبق، فإنه من الضروري الإشارة إلى أن التحركات الأمريكية على خط التطبيع تأتي اليوم بنتائج عكسية على كيان العدو ذاته، ذلك أن من شأنها أن تقرّب من القوى الفلسطينية بشكلٍ أكبر، وتردم هوة الخلاف فيما بينها، بفعل الهجمة التي تتعرض لها بكل ما يعكسه ذلك من تبعات إيجابية على المجتمع الفلسطيني الملتف حول الأسس المتينة لقضية التحرر الوطني، هذا من جهة، ومن جهةٍ أخرى، فإن هذه العملية تجري في وقتٍ تتاحُ فيه للقوى الفلسطينية فرصة الالتقاء والحوار بتيسير وتسهيل من القوى الدولية التي لا مصلحة عملية لها من تأجيج الخلاف بين الفصائل الفلسطينية، مثل: روسيا، التي تقدم نفسها بوصفها منصة لحل القضايا السياسية العالقة في أكثر من بقعة حول العالم، والتي لا تزال تبدي استعداداً لتنظيم مثل هذه اللقاءات ورعايتها بين القوى السياسية الفلسطينية.
وعلى هذا النحو، فمن الوهم الاعتقاد بإمكانية تصفية القضية الفلسطينية أو «حلها» على الطريقة الأمريكية في زمنٍ يتداعى فيه النفوذ والوزن الأمريكي عالمياً. والحل الوحيد المتاح اليوم في ظل التوازنات الدولية الجديدة، هو التمسك بتطبيق قرارات مجلس الأمن الدولي ذات الصلة في القضية الفلسطينية وعلى رأسها القرار 242 لعام 1967 و338 لعام 1973.
وأخيراً، لا بد من التذكير أن وزن أية خطوة سياسية تجري اليوم، تطبيعاً أو غيره، وتقدير حجم تأثيرها المستقبلي لا يمكن أن يقاس إلا تبعاً لتماشيه مع واقع التوازنات الدولية الجديدة. ومن السذاجة الاعتقاد بإمكانية استمرار أية خطوة مخالفة للتوازنات الجديدة لمجرد أن أحداً ما حاول أن يفرضها كأمر واقع بالرغم من إرادة ومصلحة شعوب المنطقة.

معلومات إضافية

العدد رقم:
986
آخر تعديل على الإثنين, 05 تشرين1/أكتوير 2020 17:28