في ذكرى الجلاء... سورية بين الوطنية الشعبوية والعدمية الوطنية
رمزي السالم رمزي السالم

في ذكرى الجلاء... سورية بين الوطنية الشعبوية والعدمية الوطنية

يُعتبر مفهوم الوطنية كغيره من المفاهيم، مفهوماً متغير الدلالات، والأبعاد والشروط تبعاً لمعطيات الواقع الموضوعي، وحسب المهام الواجب التصدي لها من الشعب عموماً، والنخب السياسية بشكل خاص، في هذا البلد أو ذاك من بلدان العالم.

ونحن في رحاب ذكرى الجلاء، فإن قراءة جديدة لمفهوم الوطنية سورياً، بما يفتح الباب أمام استكمال الطريق الذي فتحه يوسف العظمة بشكل خاص، وروّاد الوطنية السورية عموماً، هو الشكل الأنسب للاحتفاء بهذا المنجز التاريخي للشعب السوري، لا سيما وأن فكرة الوطنية تعرضت خلال العقود الماضية كغيرها من المفاهيم إلى الكثير من التشويه، والتمييع والتشويش.
يظهر على السطح في الظرف السوري الراهن نموذجان من الخطاب، فيما يتعلق بمفهوم الوطنية وممارستها في الواقع الموضوعي، يبدوان على تناقض من حيث الشكل، ولكنهما على درجة عالية من التوافق من حيث المحتوى والمضمون، والتطابق من حيث النتائج.

النموذج الأول: الوطنية الشعبوية

هو ذاك النموذج من الخطاب الوطني الذي يُقزِّم الوطن إلى مجرد حدود وخرائط مرسومة على الورق، يجري الحديث عنه عبر نشرات الأخبار والخطابات والقصائد والأغاني، مع تجاهل تام للمادة الحيّة من الوطن، أي المواطن وكرامته وحريته وعموم حقوقه.
لا يبخل علينا أصحاب هذا الخطاب الوطني بالحديث عن السيادة الوطنية، وأهمية الحفاظ على الاستقلال الوطني، والتغني بالنضال الوطني التاريخي ورموزه، ولا يخلو هذا الخطاب من الوعظ الوطني، وخصوصاً الحديث عن أهمية الوحدة الوطنية، في وطن فقراؤه مدعوون دائماً إلى التضحية والاستشهاد، ولكن ثروته وقراره مرهونان بيد من في السلطة أو في السوق أو على أطرافهما!
حسب هذا النموذج، الوطن هو النظام، والنظام هو الوطن، فلكي تكون وطنياً يجب أن ترضى بالنظام كما هو. ليس ذلك فحسب، لا بل إن النظام هو الدولة أيضاً، وأنْ تسعى لتغيير النظام فأنت ضد الدولة، وعليه، ولكي تثبت وطنيتك، يجب أن تؤجل جميع حقوقك، لأن (الوطن في خطر)؟
جاء ظهور الجماعات الإرهابية في سنوات الأزمة، فرصة ذهبية لخطاب أصحاب هذه النموذج، فإما أن تكون مع الدولة، أو مع الإرهاب، وسيتم تصنيفك مع التكفير والتطرف حتى لو كنت من أتباع بوذا، طالما أنك لا تقر بطريقة (الدولة=النظام) في إدارة الأزمة. وفي الوقت الذي كان فيه سلوك النظام من الأسباب الأساسية لهذا المستوى من تدويل الأزمة السورية، فإن كل من يشارك في اللقاءات الدولية لحل الأزمة وإعادة القرار إلى السوريين، هو خارج عن (الصف الوطني) ويستوجب التشنيع بحقّه، وإقامة الحدّ عليه.
ويتعالى الحديث عن السيادة الوطنية، لنجد أن المقصود هو احتكار القرار الوطني، لأن السيادة الوطنية تعني فقط سيادة النظام، أما ما جرى سابقاً من فتح المجال للتملك والاستثمار لـ (الإخوة الأعداء) من تركيا وقطر والسعودية وغيرها عبر السياسات النيوليبرالية، واستجداء الشراكة مع الغرب، بعد 2005 فكان أمراً مشروعاً!

النموذج الثاني: العدمية الوطنية

حسب خطاب هذا النموذج، فإن كل حديث يتعلق بالدفاع عن الوطن، يعني حكماً الدفاع عن النظام. فلكي تثبت أنك لست مع النظام، يجب ألاّ تتحدث عن القضية الوطنية، فهذه القضية يجب أن تبقى مؤجلة، وما عدا ذلك فأنت من جماعة النظام، أما إذا أعلنت موقفاً واضحاً وصريحاً ضد التدخل الخارجي العسكري والسياسي والدبلوماسي في شؤون بلادك، فأنت عميل النظام دون شك..! وإذا كانت بعض النخب السياسية التي تكاثرت على مزبلة الأزمة، وجهاً سافراً للعدمية الوطنية، فإن خطاب متصوفي التّكية الليبرالية عموماً يصبّ في هذا الاتجاه، فالوطنية باتت مدعاة للسخرية، والرموز الوطنية التاريخية محل تهكمٍ، وهم في أفضل الأحوال كانوا سُذّجاً وبسطاء، ويصل الأمر عند جوقة التفاهة هذه، إلى التّحسر وندب الحظ لأن (فرنسا) خرجت من بلادنا، قبل أن نتعلم منها المدنية والحداثة، ولا تُقصّر هذه الجماعة أيضاً في الحديث عن السيادة الوطنية، لتجد بأنها تعني حصراً الدور الروسي في الأزمة السورية، أما الوجود الأمريكي، والتركي و..و.. فهو مبرر ومشروع!
الشعبوية والعدمية يكملان بعضهما البعض، طريقان أدّيا إلى الكارثة ذاتها، فساهم الطرفان كل من موقعه- وبغض النظر عن نوايا البعض هنا أو هناك- في إنهاك عناصر البنية الوطنية السورية كلها، وخصوصاً الحامل المادّي لها، أي فقراء سورية، نهباً، وإفقاراً، واعتقالاً، وقتلاً، وخطفاً، وتهجيراً، وبيعاً للأوهام، والدّفع بهم من مأزق إلى مأزق، فكلاهما أوقفا قطار التاريخ، وقطار الوطنية في المحطة التي يريد، الأول: يتمترس في خندق الوطنية لتأبيد سلطته، والثاني: مستعد أن يتحالف مع إبليس، ويفعل أي شيء كان، ولو كان إسقاط الدولة بما تعنيه من بشر وثروة وجغرافيا وتاريخ وثقافة، ومستقبل، للوصول إلى السلطة.

الوطنية الواقعية سورياً

ما لا شك فيه، أن الموقف من حماية الاستقلال السياسي كان وما زال يشكل الأساس المادي لأي موقف وطني، ولكنه في ظروف العالم المعاصر يعتبر شرطاً ضرورياً لكنه غير كافٍ، حيث يكتسب مفهوم الوطنية اليوم معنىً جديداً، يتجاوز مسألة حماية الاستقلال الوطني، إلى فهم يرتقي إلى مستوى المهام التي يفرضها الواقع الموضوعي أمام السوريين، خصوصاً بعد تفجر الأزمة منذ 2011.

الحلّ السياسي- الجلاء الثاني

(الاحتفاء بالجلاء في جحيم الأزمة التي باتت تهدد كل الإرث الوطني المادي، يكون بمعرفة الضرورة التاريخية الوطنية التي تفرضها اللحظة الراهنة، والعمل من أجلها، كما فعل الوطنيون السوريون عبر التاريخ، من يوسف العظمة إلى سلطان الأطرش، وفارس الخوري، إلى ابراهيم هنانو، إلى صالح العلي، وسعيد آغا الدقوري، تلك الضرورة التي تتجسد في ظروف اليوم حصراً بانطلاق قطار الحلّ السياسي على أساس قرار مجلس الأمن 2254، نحو حلّ الكارثة الإنسانية، ومواجهة الإرهاب، والتغيير الجذري الشامل والعميق)، والنظر إلى مكونات الحلّ على أساس أنها مهام متكاملة، لا يمكن إنجاز واحدة منها، إلا بالتوازي مع المهام الأخرى.
إن حلّاً سياسياً ضمن هذه الرؤية يرتقي في أهميته التاريخية إلى مستوى الجلاء.
إن الانطلاق من وحدة المهام الوطنية والاقتصادية الاجتماعية، والديمقراطية، يشكل حجر الأساس لبناء سورية الجديدة. فلا حرية لوطن، دون أن يكون مواطنوه أحراراً، ولا يمكن لمواطن أن يكون حراً دون وطن حر، وحرية المواطن ضمن هذه الرؤية تعني حقّه في توزيعٍ عادلٍ للثروة، وحقّه في إبداء رأيه، وممارسة الرقابة على جهاز الدولة، وإمكانية محاسبة هذا الجهاز، وإيجاد الأسس الحقوقية الدستورية الضامنة لذلك. أما حرية الوطن فتعني استعادة السيادة المنتهكة طولاً وعرضاً، وإنهاء كلّ أشكال الوجود الأجنبي في سورية، بما فيها الخروج من منظومة التبعية للمركز الرأسمالي، والتحرر من نير (الاستعمار الدولاري)، بما يقتضي تصفية أدواته المحلية من قوى الكومبرادور، والسير مع القوى الدولية الصاعدة باتجاه عالم تسوده النّدّية والقانون الدولي.
إن كل ذلك يشكل نقطة الاستناد في بناء سورية الجديدة، سورية بلا نهب وفساد واستبداد، وبلا تمييز بين مواطنيها على أساس القومية أو الدِّين.

معلومات إضافية

العدد رقم:
962
آخر تعديل على الإثنين, 11 أيار 2020 12:49