السياسات الأمريكية حول العالم انطلاقاً من تقرير لـRAND  (2)

السياسات الأمريكية حول العالم انطلاقاً من تقرير لـRAND (2)

نواصل في هذه المادة محاولة قراءة الإستراتيجيات الأمريكية الكبرى حول العالم، بربطها بتوصيات التقرير الذي أصدرته مؤسسة راند الأمريكية في الشهر الخامس من هذا العام، تحت عنوان «إرهاق روسيا وخلخلة توازنها»...

تقريب القاذفات

يُقصد بالقاذفات، ذلك النوع من الطائرات الإستراتيجية، التي لا تتمتع بالسرعة العالية ولا بمقدرات المناورة العالية، مقارنة بما يسمى (المقاتلات، مثل F16 أو F35)، ولكنها في المقابل، تتمتع بحمولة تدميرية أضخم بكثير من المقاتلات (تصل إلى 35 طناً)، وتستفيد من هذه الإمكانية لإطلاق قنابلها وصواريخها عن بعد كبير نسبياً (يتراوح بين مئات وآلاف الكيلومترات، ولكن العامل الحاسم في تحديد مسافة الإطلاق هو الموازنة بين حدّين؛ من جهة ينبغي أن تكون القاذفة بمنأى عن قدرة العدو على إصابتها، ومن جهة أخرى ينبغي أن تكون أقرب ما يمكن إلى الأهداف المطلوب إصابتها، وذلك لتقليل زمن وصول القذائف إلى أهدافها، وبالتالي تقليل احتمال اعتراضها من الأنظمة الدفاعية للعدو).
المقصود بتقريب القاذفات من روسيا، هو تقريب قواعد انطلاقها، ويشرح الملخص الفوائد المتوخاة من هذا الإجراء، بأنّ هناك احتمالاً كبيراً للنجاح في إعادة تموضع القاذفات ضمن نطاق يُسهّل الوصول بسرعة إلى الأهداف الإستراتيجية الروسية الرئيسة، وهو ما «سيثير قلق موسكو ويزيد مخاوفها، كما أنّ تكاليف ومخاطر هذا الخيار منخفضة، طالما أن القاذفات تتموضع على بعد كافٍ من معظم صواريخ كروز الباليستية، والقذائف الأرضية الروسية».
إذا حاولنا تقصي المعنى الملموس لـ «تقريب القاذفات من الأهداف الروسية الإستراتيجية»، فمن البدهي بداية أنّ الحديث يجري عن الجبهة الغربية، باتجاه أوروبا؛ فـ «الأهداف الإستراتيجية» الروسية، بما فيها العاصمتان موسكو وبطرسبورغ، تتوضع بمعظمها هناك.
وبالتدقيق أكثر، يظهر أنّ المقصود ليس دول البلطيق، لأنّ واشنطن كانت قد جربت حظها في أجواء البلطيق عدة مرات خلال السنوات الماضية، أهمها: مرتان في الشهر السادس 2017، وفي الشهر الثالث 2019. وفي المرتين جرى إظهار القدرة الروسية على التصدي للقاذفتين باستخدام سو-27، التي رافقت في كلتا المرتين كلّاً من القاذفتين طاردة إياهما من الأجواء.
المقصود إذاً هي دول أوروبية في نطاق أبعد من نطاق البلطيق، (السويد، النروج، بولندا، سلوفاكيا، هنغاريا، رومانيا... وغيرها). وإذا كانت حِدّة العداء بين دول البلطيق وروسيا، ودرجة تبعية حكومات تلك الدول للأمريكي، هي «أمر تقليدي»، فإنه غير كافٍ من وجهة النظر الأمريكية، عدا عن كونه غير مضمون الاستمرار مع التطورات الحثيثة الجارية داخلياً في دول البلطيق. ما يعني أنّ توسيع دائرة «العداء» الأوروبي مع روسيا، هو مطلب مُلِّح للأمريكي بمختلف الوسائل، وهو ما يظهر بزيادة الضغط الأمريكي على أعضاء الناتو لرفع إسهاماتهم المالية في الحلف، وكذلك لفتح دولهم أمام مزيد من العسكرة الأمريكية للمنطقة، ودائماً وأبداً تحت ابتزاز العقوبات والابتزاز المالي خاصة... وهو الأمر الذي من شأنه وإنْ لم ينجح بشكل كامل، أنْ يعيق على الأقل إمكانية تسوية وتطبيع العلاقات الأوروبية مع موسكو، أي: إنه يتوافق مع الاتجاه العام للإستراتيجية الأمريكية التي تضع هدفاً رئيساً: إبطاء ظهور مفاعيل التوازن الدولي الجديد قدر الإمكان.

خيارات مستبعدة

إضافة إلى الإجراءات الثمانية التي يوصي التقرير باتباعها، والتي ناقشنا أربعة منها في جزأي هذه المادة، (ونتمنى لو أن خبراء عسكريين يناقشون الأربعة المتبقية ربطاً بجوانبها الإستراتيجية، لأنّ فهم أبعادها الجوهرية يحتاج إلى منصة معرفة عسكرية لا نمتلكها)، فإنّ الخيارات التي ناقشها التقرير واستثناها لعدم توافقها مع الغاية المطلوبة، وهي عشرات الخيارات، تسمح هي الأخرى أيضاً، في فهم اتجاهات عامة ملحوظة ضمن السياسات الأمريكية؛ فمثلاً: يمر التقرير بخيار رفع الدعم للقسم المسلح من المعارضة السورية، ويصل إلى نتيجة أنّ حجم الفوائد المترتبة على ذلك منخفض كما أنّ حجم المخاطر كبير.
لا ينبغي بطبيعة الحال الركون إلى ما يعرضه الملخص المعلن من اعتبارات «الخطر» المنسوبة للإرهاب، وانتشاره المحتمل بناءً على دعم المسلحين، لأنّ في هذا بروباغاندا واضحة من الجانب الأمريكي ضمن سياق «الحرب الأمريكية على الإرهاب»، لحقيقة أنه الداعم الأول، والمنشئ الأول، لعدد كبير من الظواهر الإرهابية حول العالم. مع ذلك فإنّ من المفيد لبعض الواهمين أن يعودوا إلى التقرير ليقرؤوه بأعينهم مباشرة، علّهم يَصْحَون.

«الكابوس الأمريكي»...

يمكن لمن يقرأ ملخص راند أن ينتهي إلى نتيجة فحواها: هي أنّ ما تبقى لدى الأمريكي من أدوات، تجاه أعدائه و«حلفائه» على حد سواء، يتركز في ابتزاز الجميع عبر الأداتين المالية الصرفة والعسكرية (ليس بين الخيارات موضع الدراسة، أي: خيار اقتصادي (صناعي، زراعي، بنية تحتية ومواصلات... إلخ) على الإطلاق، كما أنّ كل الخيارات الثقافية والإيديولوجية قد سقطت في امتحان راند، وهذا يعني إعلاناً صريحاً، (من جانب راند على الأقل)، أنّ الولايات المتحدة لم تعد لديها دعاية إيديولوجية وثقافية قادرة على مقارعة الخصوم... لم يعد لدى الولايات المتحدة «حُلُم أمريكي» تروج له ضمن ترسانتها الدعائية، ناهيك عن انتقال ذلك الحلم التدريجي عبر سبعة عقود ما بعد الحرب العالمية الثانية، من نطاق الحياة المعاشة إلى نطاق الأفكار المجردة؛ فالحلم الأمريكي الذي كان يتكثف في البيت الريفي الواسع مع حديقتين أمامية وخلفية، وعائلة مستقرة متحابة ومتعلمة، وعمل مريح... وإلخ فقد عناصره المادية يوماً وراء يوم، حتى بات كابوساً «ديمقراطياً» يأخذ شكل وسواس قهري يمرّ عبر إدماء الكوكب، من أجل «ضمان حياة أمريكية بعيدة عن الإرهاب»!

معلومات إضافية

العدد رقم:
928
آخر تعديل على الثلاثاء, 27 آب/أغسطس 2019 15:07