الاحتياطات القذرة..!
سواء أخذ ساعات، أم أيام، أم أشهر، يشكل حل الملف النووي الإيراني اليوم، موضوعياً، نقطة تحول على المستوى، الإيراني والإقليمي والدولي. وهو بمحصلته، إذ سيعكس تنامي وزن دولة إيران، فإنه لن يتماشى مع مصالح الهيمنة الأمريكية التقليدية، بل يأتي كأحد ترجمات التراجع الأمريكي على المستوى العالمي، والتي لم تكن الإعلانات السياسية والاقتصادية في قمتي «أوفا» الأخيريتين لمجموعة «بريكس» ومنظمة «شنغهاي»، العاكسة لنمو الأقطاب المنافسة لواشنطن، آخر تجليات لتلك الترجمات.
ما يعنينا هنا مباشرة، هو سبر كيف ستتعامل واشنطن- المأزومة ولكن غير المستسلمة بعد لمسارها الموضوعي- مع مآلات حل الملف النووي الإيراني، والاحتمالات الناجمة عن هذا الحل، على اعتبار أنه يدفع، نظرياً في نهاية المطاف، باتجاه تسريع السير نحو إيجاد حلول للملفات الأخرى العالقة أو المتفجرة في المنطقة، ومن بينها الأزمة السورية. غير أن إنجاز الحل، وفي الوقت الفاصل أمام الوصول للحلول الأخرى، يستدعي عملياً تسعير تلك الصراعات أكثر، وسط محاولة الأطراف المختلفة تحسين مواقعها التفاوضية، عبر التصعيد.
بالملموس، وبخصوص سورية وجوارها، فإن التداعيات الإقليمية لإنجاز «النووي الإيراني»، واستكمال ترجمة مخرجات قمتي «أوفا» لجهة تثبيت ميزان القوى الدولي الجديد، ستعني أن المراكز الفاشية الجديدة الأمريكية ستلجأ قريباً إلى اعتماد وسائل وأدوات أخرى، غير «داعش» تستكمل ما «أنجزه» هذا التنظيم الإرهابي، باتجاه تخديم المشروع الأساسي القائم على التقسيم والتفتيت، علماً بأن إيجاد تلك الوسائل وتعزيزها يغدو ضرورة أمريكية مع تحول «داعش» إلى «فرس غير رابح» على المدى المتوسط، في ظل قرب انتهاء دوره الوظيفي الموكل، والتلاشي المطرد في بيئته الحاضنة بحكم كونه هجيناً وغربياً وغير متأصل في سورية والمنطقة، وفي ظل تبلور الدعوة الروسية لقيام تنسيق إقليمي لمواجهته.
عليه، إذا كانت الفوالق الطائفية، المفتعل تأجيجها، قد سمحت بإيجاد الأرضية لتمدد «داعش» وانتشاره، لكي يحقق لواشنطن ما حققه، فإن العمل الأمريكي المعادي اليوم، الذي تتلاقى معه مصالح كل المتشددين الرافضين للحل السياسي الحقيقي في سورية أياً كانت مواقعهم، سيلجأ إلى نبش المزيد مما في جعبة احتياطاته القذرة، عبر تأجيج الفوالق العرقية والمذهبية، بدليل المحاولات المحمومة، وغير الناجحة إلى الآن، بهذا الاتجاه والهادفة إلى إثارة مشاكل طائفية ومذهبية وعرقية في جنوب سورية وشمالها الشرقي.
إن هذا الخطر المحدق، كما سابقيه بكل الدروس المستقاة منهم، يستدعي التنبه والحذر والاستباق عليه، أولاً وأخيراً، بالحل السياسي الجذري والعميق والشامل، على أن يضمن عملياً حل المشاكل السورية العالقة والمستجدة كلها، بما فيها ضمان تساوي جميع المواطنين السوريين، بغض النظر عن الدين والطائفة والقومية والجنس، في الحقوق السياسية والاجتماعية، وكذلك ضمان الحقوق المدنية والثقافية الجماعية الكاملة التي تخص أي من المكونات السورية المطالبة بذلك.
إن الحل السياسي للأزمة السورية التي تجاوزت سنواتها الأربع هو استحقاق ذاتي وموضوعي، إذا ما كان الحديث عن بقاء سورية واحدة موحدة وذات سيادة حقيقية. ولا تعرقل الوصول إلى هذا الحل إلا المصالح الضيقة لأمراء الحرب والفساد والإرهاب، وأصحاب أوهام «الحسم والإسقاط». وإن عدم تطويق هؤلاء، وتأريض ممارساتهم سيؤدي إلى قيام حلول مبتورة أو جوفاء أو تفتيتية أمريكية، تتعارض مع الإرادة الحقيقية للشعب السوري، ولا تعبر عن حقيقة اتجاهات موازين القوى الإقليمية والدولية، بمعنى أنها ستكون ساقطة كسقوط أصحابها.