تصريحات... في مصلحة من؟
أدلى بعض ممثلي «هيئة التنسيق الوطنية» أثناء زيارتهم إلى العاصمة الروسية موسكو مؤخراً بتصريحات تناولت في جانب منها دور وموقع الجبهة الشعبية للتغيير والتحرير
أدلى بعض ممثلي «هيئة التنسيق الوطنية» أثناء زيارتهم إلى العاصمة الروسية موسكو مؤخراً بتصريحات تناولت في جانب منها دور وموقع الجبهة الشعبية للتغيير والتحرير
تمضي الوقائع الدولية والداخلية السورية بخطىً ثابتة باتجاه الحل السياسي، وذلك بالرغم من مجمل الانحرافات الثانوية التي تحاول تكريسها قوى التشدد في النظام والمعارضة، وتبقى الأداة الأساسية في هذه العملية هي العنف، ويبقى الهدف النهائي لدى هذه القوى ليس منع الحل السياسي بسبب عجزها عن ذلك لأنه أصبح مساراً موضوعياً تفرضه الحياة، ولكن هدفها يتلخص في محاولة تأخير الحل السياسي ورفع تكاليفه وتهيئة أرضية واقعية لحل سياسي وهمي لا يشكل مخرجاً من الأزمة وإنما مقدمة لإعادة اقتسام النهب بين الفاسدين في الجهتين تحت مسميات طائفية وفي ظل ديمقراطية توافقية طائفية..
يتواصل في المشهد السياسي والميداني السوري منسوب تبادل الاتهامات وتراشق النعوت بين مختلف مكوناته على الأسس التضليلية الوهمية نفسها التي ساهمت بإيصال البلاد إلى ما هي فيه من أزمة مستعصية. وتتوالى التوصيفات تحديداً بين ما يسمى بالمعارضة الخارجية والمعارضة الداخلية: «نظام، ابن النظام، تصنيع نظام، بديل للنظام، مناوئ للنظام، مؤيد للنظام للعظم، يمين النظام، يسار النظام، داخلي- خارجي، موالٍ، خائن، عميل، متآمر، مندس، تحريضي، مسلح، مسالم، صامت، ناشط، طائفي، طائفي مضاد، الخ...»، علماً بأن الفرز الحقيقي يبقى «وطني/ لاوطني»، وتحدده زاوية رؤية طيف القوى السياسية السورية القائمة والناشئة بعضها لبعض، ولجملة القضايا الجوهرية السورية، بين منظور هندسي بسيط ثنائي الأبعاد، أو هندسي فراغي ثلاثي الأبعاد.
كلما ازداد باطراد الضغط الأمريكي- الأوربي لاستيلاد أشكال متباينة ومتصاعدة من التدخل الخارجي في سورية تحت ذرائع متباينة في إطار «الصراع على سورية»، تزداد الحاجة الموضوعية لدى السوريين، كل السوريين افتراضاً، وخاصةالمنهمكين في «الصراع الداخلي في سورية» وحول شكلها فيما بعد 15/3/2011، أي النظام، والمعارضة، والحركة الشعبية، للابتعاد عن أسلوب تراشق المسؤوليات والاتهامات، والنهوض إلى مستوى المسؤولية الوطنية.
انتهت انتخابات دور مجلس الشعب الجديد، وترافقت بموضوعات عديدة أبرزت أهميتها وآفاقها ومنحت لها تقييمات متنوعة وأطلقت عليها أفضل الصفات، ولكن أبرز موضوعات الفكر السياسي التي ركز عليها البعض تناولت أهمية الانتخابات لتحقيق التشاركية والتعددية.
ليس مصادفة أبداً أن تتقاطع أطراف من المعارضة والنظام في العديد من المواقف والآراء بخصوص سورية الغد، فعلى الرغم من الانقسام الشاقولي الظاهري بينهما فإن هناك توافقات في الرؤية والبرنامج الاقتصادي- الاجتماعي وكيفية إحداث التغير المطلوب لكلا الطرفين، ومن ذلك اتفاق الطرفين بأنه لا توجد منطقة رمادية، وبالتالي ينبغي على الشعب السوري أن يتموضع ضمن أحد الخندقين بحدودهما المعطاة و«المنتهية»، فمن ليس معنا فهو بالضرورة ضدنا شعار أطلقه جورج بوش أثناء حملة تدمير العراق التي لا تزال تداعياتها وانعكاساتها ماثلة أمامنا حتى الآن..
يميز سيجموند فرويد بين المحاكاة باعتبارها حالةً صحية طبيعية وبين التوحد باعتباره حالة مرضية، في المحاكاة تقوم الأنا بتقليد الآخر وتمثل طريقة تفكيره وتصرفاته إزاء مواقف محددة بعينها، كأن يقوم أحدنا ولدى مروره بموقف صعب باستحضار شخص يثق بقدرته على تجاوز ذلك الموقف، ويحاكي طريقة تفكيره وتصرفه إزاءه، وهنا لا تضيع الأنا وتحافظ على استقلاليتها، أما في التوحد فإن تمثل الآخر يصل حد التماهي فيه وفقدان الأنا بخضوعها الكلي للآخر..
انطلقت الحركة الشعبية في سورية في 15 آذار 2011 ولسنا هنا في صدد تقييمها بعد مرور أربعة عشر شهراً ووقوع البلاد في أزمة وطنية بل تسليط الضوء على جانب آخر من الحركة الشعبية .
قراءة وموقف - ملاحظة أولى:
سألني ويسألني يوميا العديد من الرفاق والأصدقاء، ومن أوساط النخب السورية، والإعلام، لماذا أبقى صامتاً ولا أرد على البلاغ الموقع باسم هيئة «المكتب السياسي» المتعلق بي شخصيا، بنشاطي وممارساتي في حقليّ السياسة والتنظيم، وموقعي في الحزب؟ما هي حقيقة الأمور؟ ولماذا أترك التفاعلات حرة وذات طابع فوضوي ضار؟ أتركها للشامت والثرثار، للمتطرف والقمعي، للثأري والعقابي من وسط الحزب، وخارجه بشكل خاص؟ أليست تجربتكم بكل دروسها ملكا للجميع؟ أليس أمر توضيح الحقائق وموقفك واتجاهات الرأي عندكم مفيداً وضرورياً في ظل الأزمة التي يعيشها الوطن؟أليست أزمة حزبكم تعبيرا تفصيليا غنيا وهاما للتفاعل والخضوع للأزمة الوطنية العامة وفي قلبها؟.
نَصَّ البند الأول في المادة الثامنة من الدستور السوري الجديد على أن ‹‹ يقوم النظام السياسي للدولة على مبدأ التعددية السياسية وتتم ممارسة السلطة ديمقراطياً عبر الاقتراع ››. وقبل التساؤل عن ماهية هذه التعددية، ينبغي أن نحاول فهم السبب الذي تنبع منه قبل كلّ شيء الضرورة والحاجة إلى وجودها الحقيقي في البلاد، ليس فقط من باب ضرورة نفي الحالة السابقة من الأنانية السياسية الخاملة، التي يجب أن يُساءل ويحاسب أصحابها عن مساهمتهم في ما حلّ بالبلاد من أزمات في جميع مناحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، بل وكذلك من باب التأكيد على أنّه بات من المستحيل الخروج الآمن من الأزمة الراهنة دون تفعيل الحياة السياسية التعددية على أسس وطنية، وهي المسؤولية التي يجب أن تضطلع بها جميع القوى الوطنية الواعية مهما كان تصنيفها الشكلي موالياًٍ أو معارضاً،