طارق علي / ترجمة حسين علي طارق علي / ترجمة حسين علي

الصراع على باكستان.. باكستان في عمر الستين: حرائق هائلة من اليأس (1-2)

لم يكن القرن العشرون كريماً مع باكستان.. بشكل خاص، شهدت العقود الثلاثة الأخيرة منه تقلصاً تدريجياً للدولة المضمحلة الباهتة إلى مستوى مستنقع راكد غادر. بيانات سوء التغذية تظهر حقيقة مرَوِّعة: 60% من الأطفال الباكستانيين تحت عمر خمس سنوات معاقون إما إعاقة متوسطة أو شديدة..

 شريحة قليلة من الأغنياء تكدس الأموال بعيداً عن حاجات الناس العاديين، حياتهم البائسة، ارتدادهم إلى الدين، ازدهار السوق السوداء، الصدامات المسلحة بين الفرق الإسلامية المختلفة، الحرب على الحدود الغربية، واغتيال القادة السياسيين. كان هدير النقود يكتم كل الأصوات الأخرى. لم تعد معظم الأحزاب السياسية الرئيسية، كقريبتها الأحزاب الغربية، متعهدة ببرامج متأصلة في إيديولوجيات، بل أصبحت معتمدة على المحسوبيات والعلاقات الشخصية، الزبائنية، وأتباع خاملين عديمي الحركة والنشاط. أصبح الهدف التنظيمي هدفاً شخصياً بحتاً يرمي إلى الحصول على: وظيفة دون عمل، نقود، سلطة، أو طاعة عمياء للقائد أو، في بعض الحالات، للجيش كقائد أوحد. يبرز بوضوح في كل حزب العداء لكل موهبة حقيقية. من النادر أن تُحدَّد المناصب السياسية والمقاعد النيابية بالكفاءة والنزاهة، بل في الواقع إن الشخص الشريف أو حادّ الذكاء هو شخص غير مؤهل. 

في ذكرى الاستقلال..

عندما يصل المرء إلى عمر الستين يحدِّق في المرآة، إما أن يشعر بالرضى والسرور أو تمتلئ نفسه بالقلق. من المؤسف أن بلداً لا تستطيع أن تنظر إلى نفسها بطريقة مماثلة. لذلك يصبح من الضروري أن يكون شخصاً آخر هو المرآة. كفنان، شاعر، صانع أفلام، أو كاتب.

في الذكرى الستين لاستقلال باكستان، بدا أن السلطة تنسحب من تحت أقدام الدكتاتور.. استياء شعبي عام وخيبة أمل واسعة الانتشار. تعزِّز لوحات الإعلانات الضخمة عبادة الفرد القائد الكبير (الجنرال مشرَّف) القادة الصغار (ظلال في المقاطعات دون شخصية خاصة بها) يتبجحون بمنزلة مقرفة تثير الغثيان وتجثم كابوساً على صدور الناس كأرواح شريرة. جفت منابع أحد المصادر القديمة للشرعية الرسمية –رعاية وإلهاب حماسة العداء للهنود وللهندوس- أصبح يوم 14 آب، يوم الاستقلال، أكثر تكلفاً وأكثر إثارة للسخط مما كان عليه من قبل. شعارات زائفة متنافرة النغمات فارغة من أي معنى، عديمة التأثير بأي شخص، بينما تنتشر في ملاحق الصحف كليشيهات لا حصر لها من الشوفينية والتفاخر المفرط في النفس متنافسة على إشغال مساحات أكبر مع صور مبتذلة لمؤسس الدولة، محمد علي جناح، والشاعر المجيد الخالد، علاَّمة إقبال، التي شوهدت في مئات من المناسبات السابقة. إضافة إلى هذا تعرض شاشات فيديو متنقلة نقاشات سياسية واجتماعية تذكرنا جميعها بما كان قد قاله جناح أو بما لم يقله. وقد يتفاجأ أحد ما غالباً بمجموعات من الناس الذين يشعرون بأن الدولة كان يجب ألا توجد في الأصل أبداً.

كان النظام العسكري المحصَّن في ذكرى الميلاد الستين للبلاد (كما كان في الذكرى العشرين والأربعين) يصارع من أجل البقاء: شُنَّت حرب خارجية على حدوده الغربية، بينما كانت البلاد تعيش في الداخل الاضطرابات والقلاقل بسبب الجهاديين، المحامين، القضاة. لم يبد أن شيئاً من كل هذا له أي تأثير على المتهورين الشباب في لاهور، الذين صمموا أن يحتفلوا بالذكرى على طريقتهم الخاصة. في الصباح الباكر احتل شباب على دراجاتهم النارية الشوارع ليبدؤوا ما قد أصبح سباقاً انتحارياً سنوياً، كما لو أن الشيء الوحيد الجدير بالاحتفال هو حقهم في الموت. استطاع خمسة فقط في عام 2007 الموت، رقم أخفض بكثير من السنة السابقة. ربما إن هذه هي طريقة معقولة لإحياء ذكرى نزاع ذهب ضحيته أكثر من مليون شخص حيث قطَّعوا أوصال بعضهم البعض إرباً حتى الموت بينما كانت الإمبراطورية البريطانية الآفل نجمها تلملم أذيالها منسحبةً.

كان في الوقت نفسه مستبد آخر يتلقى التحية في استعراض عسكري في إسلام آباد بمناسبة يوم الاستقلال، متفوهاً بخطاب سيئ كتبه له بيروقراطي ضجر، وقد فشل في إخماد تثاؤب المتملقين المحيطين. حتى طيارات الـ«إف 16» في تشكيلاتها المتباهية فشلت في إثارة الحضور وشد انتباههم. رفرفت الأعلام في أيدي تلامذة المدارس، عزفت فرقة موسيقية النشيد الوطني، نُقِل العرض بالكامل على الهواء مباشرة، ثم انتهى كل شيء. 

المشكلة الحقيقية: اليأس!

يفضِّل الغرب أن يرى باكستان من خلال نظرة أحادية. تعطي صحف الأوروبيين والأمريكيين الشماليين انطباعاً بأن المشكلة الرئيسية، هذا إذا لم تكن الوحيدة، التي تواجه باكستان هي قوة الملتحين المتطرفين المتخفين في كشمير الهندية، الذين، كما ترى تلك الصحف، على وشك السيطرة على البلاد. على هذا الأساس، إن ما أوقف الإصبع الجهادية من إيجاد طريقها إلى الزناد النووي هو الجنرال مشرَّف. كان واضحاً في عام 2007 أن الجنرال ربما يغرق في بحر من المشاكل، لذلك دفعت وزارة الخارجية الأمريكية طوق نجاة منفوخاً إلى حدوده القصوى في هيئة بنازير بوتو. لكن كان البعض يتساءل منذ عدة شهور قبل مأساة اغتيالها في كانون الأول 2007 فيما إذا كانا سيغرقان سويةً؟.

إن خطر سيطرة الجهاديين، في الواقع، على باكستان هو خطر بعيد. ليس هناك احتمال انقلاب يقوم به المتطرفون المتدينون إلا إذا أراد الجيش ذلك، كما حصل في ثمانينيات القرن الماضي، عندما أعطى الجنرال ضياء الحق وزارتي التعليم والإعلام إلى الجماعة الإسلامية، حيث أدى ذلك إلى نتائج كارثية: أخمدت الجماعة الإسلامية كل المعارضة الديمقراطية في الجامعات، وأصبح دعاة الجماعة جزءاً لايتجزأ من وسائل الإعلام. تتجاهل الإدارة والمؤسسات المالية في واشنطن المشكلة الجديّة التي تواجهها باكستان حيث أن الافتقار إلى البنى الاجتماعية الأساسية تشجع اليأس وتقتل الأمل، مع هذا إن قلة قليلة فقط تحولت إلى الجهاد المسلّح.

تجمعَّت خلال فترات الحكم العسكري في باكستان ثلاث مجموعات مع بعضها البعض: القادة العسكريون، المتملقون المتسلقون الفاسدون من السياسيين، ورجال الأعمال الذين يضعون أعينهم على عقود الدولة المربحة أو على العقارات المملوكة لها. كل واحدة من هذه الجماعات الآن متمكنة بشكل كاف في أساليب الخداع وفي إخفاء الغيرة والمنافسات الصغيرة التافهة، فهذه وتلك تهون من أجل ما هو أعظم وأسوأ. إن الرباط الذي يجمعهم هو تكديس الأموال وتملك العقارات في المدينة وفي الريف.. يتساءل السياسيون الأقل حظوةً لدى العسكر عن الخطأ الذي ارتكبوه لكي يعاملوا بهذا الجفاء، فيصطفوا بالدور لكي يصححوا مواقفهم ويزيلوا سوء التفاهم لعلّهم يحظون بالقبول. أمضت النخبة الحاكمة في البلاد الستين سنة الأخيرة تدافع عن غناها المكتسب المنحوس وامتيازاتها السقيمة، والقائد الأعلى (عسكرياً كان أم مدنياً) ثمل بمداهنتهم وتملقهم.

أين هي المعارضة الرسمية؟ واحسرتاه، يختص النظام في إنتاج أعضاء المجلس التشريعي، المتلهفين دوماً لقبض النقود. إنهم قساة أشداء بأصوات خشنة وبراعة ماكرة، خبراء بمصادقة صرافي الرواتب وكشوف العقود في الدوائر الحكومية الذين يعتمدون عليهم بالحفاظ على وظائفهم. هزليون محبون ناعمون كالحرير، وليسوا خطرين جداً عندما تلبى حاجاتهم، قساة دون رحمة عندما تُخَيَّب آمالهم. ماذا فعل الناس ليستحقوا هذا؟ 

الفساد.. و«التبليغيون».. والقانونيون

يغلِّف الفساد باكستان من كل الجوانب. جمعت الراحلة بنازير بوتو وأرملها، آصف علي زرداري، بعد دورتين في الحكم، ملكيَّات تُقدَّر بـ1.5 بليون دولار، بينما كدَّس رئيس الوزراء لدورتين، نواز شريف، وأخوه، ذلك المبلغ على الأرجح. وإذا قسنا على ما تقدم فيمكن القول بأن سياسيين، بيروقراطيين أقل شأناً وعلى جميع المستويات، ونظراءهم في القوات المسلحة، لم يجدوا أية صعوبات تذكر في نهب وسلب الدولة والشعب وتكديس الأموال. تحمَّل الفقراء العبء، لكن لم تنج الشرائح الوسطى أيضاً. محامون، أطباء، مدرسون، أصحاب أعمال صغيرة، وتجار صغار شلَّهم نظام فيه المحسوبية والرشوة هما الورقتان الرابحتان. فرَّ البعض (يعمل عشرون ألف طبيب باكستاني في الولايات المتحدة وحدها)، بينما توصل آخرون إلى تفاهم مع النظام وقبلوا بحلول توفيقية تجعلهم مرتابين بأنفسهم وبكل شخص آخر.

ينشغل خلال هذا الوقت الإسلاميون، البعيدون جداً عن قبضة سلطة الدولة، بالتقاط وحشد المؤيدين حولهم. كان لجماعة التبليغ بإصرار وقسوة دعاتها بشكل خاص التأثير الأكبر. كلمة تبليغ تعني «نشر الإسلام الصحيح»، يوجد تشابهات كثيرة بين هذه الطائفة والمسيحيين المنبعثين الجدد المتشددين في الولايات المتحدة. يصطف الآثمون التواقون إلى الطهارة والمغفرة، من كل الفئات الاجتماعية، أرتالاً للانضمام للجماعة. وأصبح تأثيرها واسع الانتشار.

يؤكد التبليغيون على عدم استعمالهم العنف ويصرون على أنهم ينشرون الدين الصحيح فحسب لكي يساعدوا الناس على إيجاد الطريق السوِّي في الحياة. ربما يكون هذا صحيحاً، لكن من الواضح بأن المجندين الشباب الصغار، ضجرين بكل العقيدة، الشعائر، والطقوس، هم أكثر اهتماماً بالحصول على كلاشينكوف ووضع أيديهم على الزناد. يعتقد كثير من المعلقين بأن مخيمات التبليغيين التبشيرية هي أراضٍ خصبة لتجنيد مجموعات مسلَّحة تنشط على الحدود الغربية وفي كشمير.

إنَّ ما يهدِّد نظام مشرَّف ليس مجموعة من هذا النوع بل إنهم القانونيون الذين تصدّوا للنظام بقوة وثبات في 9 آذار 2007..

كان كبير القضاة قد بدأ يربك النظام. فقد أصدر أحكاماً في عدد من القضايا المفتاحية، بما فيها الخصخصة السريعة لصناعة الفولاذ في كراتشي، المشروع المفضل لدى رئيس الوزراء حينذاك، شوكت عزيز. كانت القضية تذكِّر بالرئيس الروسي يلتسين. قدَّر الاقتصاديون بأن هذه الصناعة كانت تساوي خمسة بلايين دولار. بِيع 75% من الأسهم بمبلغ 362 مليون دولار في مزاد استغرق نصف ساعة فقط، وقد فاز فيه اتحاد مالي مؤلف من مؤسسة عارف حبيب (باكستان)، وماكنيتوغورسك لصناعة الحديد والفولاذ (روسيا) . لم تكن الخصخصة تحظى بالقبول لدى العسكر، فقد اشتكى رئيس هيئة أركان الجيش المتقاعد، حق نواز، قائلاً «لو بِيْعَت هذه المعامل كخردوات لجلبت مبالغ أكبر». رأى الجنرال بأن الرئيس ورئيس الوزراء ساعدوا أصدقاءهم في هذه الصفقة.

بعد أن أصرَّت المحكمة العليا على استدعاء النشطاء السياسيين «الذين اختفوا» للمثول أمام المحكمة، ورفضت أن ترد دعاوى الاختطاف، ساد القلق في بعض الأوساط في إسلام آباد وتوجسوا من أن تعلن المحكمة عدم دستورية الرئاسة العسكرية. جنَّ جنون الحكومة. كان عليها اتخاذ اجراءات سريعة. قرر الجنرال ووزراؤه تخويف تشادهري بعزله من منصبه. في 9 آذار 2007 اعتُقِلَ كبير القضاة ووِضِعَ في حبس انفرادي لعدة ساعات وعومل بقسوة من جانب رجال الاستخبارات، وطُعِن به على شاشة التلفزيون الباكستاني. لكن بدلاً من الانهيار والاستسلام وقبول صفقة سخية مقابل استقالته، أصر القاضي على الدفاع عن نفسه، محدثاً حركة ملفتة للنظر في الدفاع عن استقلال السلطة القضائية. كان هذا مفاجئاً إذ أنه مشهور عن القضاة الباكستانيين بأنهم محافظون، وقد أصبغوا صفة الشرعية على كل انقلاب، مصدرين حكماً زائفاً أطلقوا عليه «مبدأ الضرورة». رفض حفنة من القضاة حلف يمين الولاء واستقالوا عندما استولى مشرَّف على الحكم، لكن تشادهري أخذ موقفاً مختلفاً ورُقِّي إلى المحكمة العليا عام 2000، وأصبح رئيساً لها في عام 2005. لم يدل أي شيء قبل هذا التعيين على أنه كان ناشطاً قضائياً في الدفاع عن القانون واستقلال القضاء. 

احتدام الصراع

في نيسان 2007، كانت الاحتجاجات تتعاظم.. انحصرت في البداية بمحاميّ البلاد الـ80 ألف وبضع عشرات من القضاة الذين تظاهروا للدفاع عن نظام فصل السلطات الدستوري. لكن انتشرت الاضطرابات لتشمل غيرهم من الجماهير الواسعة المهمَّشة والمنعزلة عن نظام النخبة الحاكمة. حدثت مظاهرات الشوارع عملياً في كل مدينة وأصبح شيئاً مألوفاً أن ترى الرجال بلباسهم الأسود وهم يواجهون وحدات الشرطة المسلحة المطوِّقة لأمكنة المظاهرات. نقلت محطات التلفاز المستقلة –جي إي أُو، اندوس، ايه ايه جي، وغيرها- تغطية يومية للأحداث. أُجْرِيَت مع مشرَّف ووزرائه مقابلات حادة وحرجة، ومن المؤكد جعلت الرئيس يحن إلى الأمان النسبي لشبكات الـ«سي ان ان» و الـ«بي بي سي». كان الجنرال ينتقد باستمرار الصحفيين بسبب عدم معاملتهم له بالاحترام الذي تظهره شبكات التلفزيون الغربية للرئيس بوش والقادة الأوروبيين.

لم يدر هذا الصراع التقليدي حول ثروة أو دِين، إنما كان يدور حول المبادئ. حاول سياسيون وموظفون محترفون (نظَّم بعضهم اعتداءات لصوصية على المحكمة العليا عندما كانوا في السلطة) أن يتبنوا الهدف على أنه هدفهم.

أدرك معظم بيروقراطيي إسلام آباد حالاً بأنهم ارتكبوا خطأً فاضحاً باعتقالهم تشادهري. لكن كما يحدث غالباً في أوقات الأزمات، بدلاً من العودة عن الخطأ والعمل على تصحيحه، قرروا القيام باستعراض للقوة. استهدفوا بداية محطات التلفاز الخاصة. توقف بث ثلاث محطات في كراتشي ومدن أخرى في الجنوب، وفجأة أصبحت شاشاتها بلا صوت أو صورة، بينما كانت تعدُّ وتنقل تقارير حول المظاهرات. كان ثمة غضب شعبي واسع. في 5 أيار استقل تشادهري السيارة من إسلام آباد متجهاً إلى لاهور لإلقاء خطاب، متوقفاً في كل مدينة على الطريق لمقابلة المؤيدين، استغرقت الرحلة 26 ساعة فيما تستغرق عادةً من ثلاث إلى أربع ساعات. في هذه الأثناء كان مشرّف في إسلام آباد يخطط لضربة معاكسة.

في 2 أيار كان القاضي على موعد لزيارة أكبر مدينة في البلاد، كراتشي ذات الـ15 مليون نسمة. تتركز السلطة في كراتشي بأيدي حركة التوحيد الوطني، جماعة بغيضة تأسست في عام 1984 أثناء دكتاتورية ضياء الحق. بدأت في الظهور عام 1978 بقيادة ألطف حسين وكانت تنحصر بمجموعة من الطلاب الذين يتكلمون الأردو في السند. وهؤلاء أبناء المسلمين النازحين من الهند عام 1947 باحثين عن وطن جديد في باكستان. كان أكثرهم فقراء وعانوا التمييز في سوق العمل. لعبت المنظمة الجديدة على حبل هذا الاستياء وأعطتهم صوتاً، وأحرزت شهرة حالاً بسبب مشاركتها وحمايتها لأعمال الشغب والعنف وقد دعمت مشرّف بإخلاص خلال كل أزمة.

فرَّ قائد الجماعة ألطف حسين من البلاد في تسعينيات القرن الماضي ليتجنب المثول أمام القضاء. مُنِحَ حق اللجوء السياسي في بريطانيا وهو يوجه الحركة الآن من مكان آمن في لندن. في خطاب مصوَّر على الفيديو موجَّهاً إلى أتباعه في كراتشي قبيل وصول تشادهري قال: «إذا حيكت المؤامرات لإسقاط الحكومة المنتخبة ديمقراطياً، حينئذٍ سيقف كل واحدٍ من أعضاء حركة الاتحاد الوطني ليدافع عن الحكومة الديمقراطية بثبات». قرر قادة الحركة في التوجيهات التي أطلقوها في إسلام آباد منع كبير القضاة من مغادرة المطار لمخاطبة أنصاره، الذين تم الاعتداء عليهم في مناطق مختلفة من المدينة في أعمال عنف قُتِل فيها نحو خمسين شخصاً. هاجم متطوعو الحركة المسلحون محطة التلفاز «ايه ايه جي» لعرضها مشاهد العنف التي كانت تجري، وأطلقوا الرصاص على مبنى المحطة لمدة ست ساعات كاملة، وأشعلوا النيران في السيارات والمرآب.

فشل ضباط شرطة كبار، رئيس الوزراء، والمحافظ في التدخل لتهدئة الأمور، وعَقِبَ ذلك إضراب عام زاد من عزلة النظام. نشرت لجنة حقوق الانسان الباكستانية في آب 2007 تقريراً مروِّعاً، مجزرة في كراتشي!! أكَّد التقرير في تفاصيل كثيرة ما كان يعرفه كل شخص: تلقى الجيش والشرطة أوامر بعدم التدخل بينما سيطر مسلحو حركة الاتحاد الوطني المهتاجون على المدينة:

تمَّ الانسحاب الفعلي لأجهزة أمن الدولة لمدة عشرين ساعة تقريباً بينما سيطرت ميدانياً على المدينة كوادر مسلحة لأكثر من حزب سياسي. إن مشهد قوات الشرطة غير المسلحة وهم يعملون بتوجيهات من الكوادر المسلحة لتلك المنظمات باعث على القلق الكبير..

بينما كان مشرّف يحاول بكل ما أوتي من سلطة إحكام قبضته على البلاد، وُوجه باحتمال حركة شعبية واسعة في الدفاع عن كبير القضاة وقد تصبح خارجة عن السيطرة، خصوصاً إذا ما تكرر ما يجري في كراتشي في أماكن أخرى..

خائفاً من عواقب زيادة القمع، لم يكن لديه بديل سوى التراجع. قُبِل أخيراً الاستئناف المقدَّم من كبير القضاة ضد قرار توقيفه ونظرت فيه المحكمة العليا واتخذت في 20 تموز قراراً بالإجماع يقضي بإعادته إلى عمله، وشوهد محامو الدولة المخذولون يغادرون فناء المحكمة على وجه السرعة. وعادت المحكمة إلى العمل بقوة وفعالية..

آخر تعديل على الأربعاء, 12 تشرين1/أكتوير 2016 12:30
(0 أصوات)