فلاحو المشروع الرائد دون مأوى في الأرض
عندما تشتد الأزمات فإن العمال والفلاحين هم الحصن الحصين الذي يلجأ إليه كبار المسؤولين، ولو خطابياً في المؤتمرات الفلاحية والعمالية، فهم حمّالو الأسية لارتباطهم الوثيق بالوطن وعجلة تطوره.
عندما تشتد الأزمات فإن العمال والفلاحين هم الحصن الحصين الذي يلجأ إليه كبار المسؤولين، ولو خطابياً في المؤتمرات الفلاحية والعمالية، فهم حمّالو الأسية لارتباطهم الوثيق بالوطن وعجلة تطوره.
تدعي الحكومة باستمرار أن الاستثمار في سورية في تقدم وازدهار مستمرين، وأن سياسات الانفتاح وتشجيع الاستثمار أدت غرضها في التشغيل وتحريك السوق بعد إرضاء المستثمرين بكمّ هائل من التسهيلات والقوانين والتشريعات، لكن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة دائماً: أين صبت هذه الاستثمارات؟ وما هي الفائدة التي جناها المواطن من كل هذه المتغيرات؟ وهل راعى المسؤولون الاقتصاديون مصلحة المواطن عامة، والطبقة العاملة خاصة عندما اختط هذا السبيل؟
تم مؤخراً تعميم القرار الصادر عن مجلس الوزراء، والذي يحمل الرقم 19/م.و تاريخ 23/3/2010 على جميع الوزارات والدوائر التابعة لها، وهو يتضمن تعديل نسبة تعويض الطبيعة الخاصة للوظائف والأعمال الواردة في البند /14/ من المادة /1/ من قرار مجلس الوزراء رقم /20/ لعام 2005 للمراقبين الداخليين الذين يسمون وفق قانون الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش لتصبح /8%/ من الأجر الشهري بتاريخ أداء العمل، وكذلك منحهم تعويض فني متخصص بنسبة /7%/ من الأجر بتاريخ أداء العمل.
تفتق الذهن الحكومي (التطويري) عن وجود عمالة فائضة في شركات القطاع العام، في أهم قطاعين من القطاعات الإنتاجية وهما الغزل والنسيج، والشركات الإنشائية، ويأتي هذا الإبداع الحكومي في سياق خطة قضم هذه الشركات وتصغيرها إلى أبعد حد ممكن على طريق التخلص منها، عوضاً عن إيجاد الحلول العلمية الوطنية لتخليص هذين القطاعين من أمراضهما التي استشرت لعشرات السنين بسبب النهب والفساد، وما نتج عنهما من خسارات كبيرة دون محاسبة أو معاقبة من تسببوا بهذه الكوارث.. إذ تقدم الحكومة اليوم على إجراءات تفاقم أزمة الشركات أكثر، وتفقدها أهم عنصر من عناصر نجاحها وتطورها ألا وهو العمال المهنيون الذين عملوا في مشاريع إنشائية كبيرة أكسبتهم خبرة ومعرفة، لا يمكن تعويضها بسرعة.
الرقم الإحصائي السوري، القادم من زمن الندرة و«مالو داعي» في الماضي القريب، بات حاضراً اليوم بكل مصادره المتعددة وكثرة قائليه، وقد أصبح اليوم يقدم تفصيلاً على قياس هذا المسؤول الحكومي أو ذاك تجهيزاً لحضوره هذا المؤتمر الدولي «الجاذب للاستثمار» على كثرتهم، أو اللقاء الثنائي، وذلك «لمنفخة» قائله، أو إعطائه مصداقية علمية مفقودة فعلياً.
إضافة إلى الأزمات اليومية التي يعانيها ويعيشها المواطن السوري بسبب ارتفاع أسعار المواد التموينية والاستهلاكية وضيق الإمكانات وضعف القدرة الشرائية، التي لم تعد قادرة على تأمين الحياة المعيشية اليومية بشكل يحفظ كرامة المواطن، فإن الكثير من المواطنين يعيشون حالة تشرد وترحال وعدم استقرار بسبب حاجتهم الدائمة إلى مسكن ثابت، الأمر الذي لم تتم معالجته على مدى عقود طويلة، مما جعل من أزمة السكن معضلة تحوم الحكومة حول ضرورة حلها، ولكنها لم تُظهِر نية جادة للعمل على ذلك على أرض الواقع.
لقد نجاه الله من معاناة البحث عن بيت جديد للأجرة طوال السنين الأربعة الماضية، فقد أسعفه الحظ باستئجار أحد منازل أقاربه في عشوائيات دمشق التي تعتبر آمنة، ووجد (أبو سليمان) وعائلته فيه الملاذ الآمن والرخيص، ولكن (النعم لا تدوم) في ظل أزمة تديرها حكومة بسياسات فوضوية وفاشلة.
ذكر خبر نشر مؤخراً أن ثماني وثلاثين منشأة لصناعة الألبسة قد أغلقها أصحابها، والسبب المباشر لذلك السياسات الحكومية التي سمحت بإغراق الأسواق بالبضائع المستوردة، وخاصة الألبسة الجاهزة من خلال السياسة (التحريرية) التي اتبعتها الحكومة في فتح أبواب البلاد على مصراعيها للبضائع الأجنبية، دون مراعاة حقيقة للأبعاد الخطيرة اقتصاديا واجتماعياً التي تحملها مثل هذه السياسات، حيث بدأت نتائجها تظهر جلياً على هذه الصناعة الوطنية العريقة التي عمرها مئات السنين، لتدمرها الآن في ظل منافسة غير متكافئة مع البضائع الأجنبية المستوردة من حيث التكاليف، وتحديداً البضائع الصينية التي تمتاز بالرداءة والرخص!!
مع أن أجواء الربيع طرقت مواسمنا مبكرة هذا العام، وهو ما يؤدي عادة لانتعاش أسواق الخضار لتنعمها بتوافر المنتجات الزراعية الموسمية، التي من الضروري أن تؤدي وفرتها إلى تراجع أسعارها، حسب قانون العرض والطلب، إلا أن ما يحدث عندنا هو أن قانون العرض والطلب المحكوم بطمع التجار والوسطاء بين المنتج والمستهلك، قد تحول إلى قانون التحكم بالحاجة، وفرض الأسعار الاستغلالية بعيداً عن مراقبة الدوائر التموينية المختصة، وبشكل يتجاوز كل مفاهيم العدل والرأفة والقناعة.
تكرر الحديث الحكومي في الآونة الأخيرة عن النتائج الإيجابية لثمار الخطة الخمسية العاشرة والتباهي بنسب النمو المحققة فيها، والتي بلغت حول 5% سنوياً، ورأى البعض بأن نسب النمو المحققة قد انعكست على حياة المجتمع السوري بكافة شرائحه. وباعتبار أننا نعيش الآن في زمن باتت فيه فرص تحقيق المعجزات ضئيلة، فلنستعرض بسرعة هذه المعجزة وانعكاساتها على الوضع المعاشي للجماهير الشعبية باعتبارها المستهدف الأول من تطبيق شعار: اقتصاد السوق الاجتماعي.