ملف إيران ودوره في شكل التطور العالمي اللاحق

ملف إيران ودوره في شكل التطور العالمي اللاحق

إن تأمّل وضع الولايات المتحدة الأمريكية يكشف أزمةً عميقةً على الأصعدة كافة، باتت تتجلى بوضوح في كل ما يخص سياساتها الداخلية والخارجية، ما يضعنا أمام مرحلة تراجع تاريخية لا ترتبط بهذه القوة العظمى دون غيرها، بل هي في الواقع تحّول كبير على المستوى العالمي تعاد فيها صياغة كل المسلمات التي سادت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وتحديداً بعد انتهاء الحرب الباردة وانهيار المعسكر الاشتراكي.

ما سبق، وإن بدا بعيداً عن التصديق بالنسبة للبعض، هو في الواقع جزء أساسي من الخطاب الرسمي العالمي، بل والخطاب الأمريكي تحديداً، وإن كان التعبير عن هذه الأفكار يجري بأشكال مختلفة، لكنّه اليوم لا يغيب عن خطاب النخب السياسية والأكاديمية، ويعبّر عنه دبلوماسيون من على المنابر بوضوح! فأثناء انعقاد مؤتمر ميونخ للأمن، خرج وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو ليقول في سياق توصيفه للوضع الدولي الراهن: يجب على الجميع قبول أن «واقع الأمس» لم يعد موجوداً، واعتبر أن أوهام «نهاية التاريخ» التي سادت بعد انهيار الحرب الباردة ما هي إلا «وهمٌ خطير» (في إشارة إلى طرح فوكوياما حول سيادة النموذج الليبرالي الغربي بوصفه الصيغة النهائية للبشرية) ووصف هذه الفكرة بأنّها «حمقاء» وتجاهلت دروس 5 آلاف عام من التاريخ البشري. وفي التقرير الرسمي لمؤتمر ميونخ ذاته، هناك اقتباسات عديدة لروبيو يقول فيها: إن «النظام العالمي القديم عفا عليه الزمن» بل وتحوّل إلى سلاح يستخدم للهجوم على المصالح الأمريكية.

هذه التصريحات لم تكن جزءاً منفصلاً عن سياق كامل، فالولايات المتحدة تعيش في الداخل لحظات صعبة وخطرة على كافة الأصعدة، فالصرّاع والانقسام السياسي الداخلي يتحّول إلى معركة «كسر عظم» وصلت إلى ما رأيناه في «ملف إبستين» وتداعياته على الأطراف كلّها، وخصوصاً أن مسألة كشف الوثائق لا تنحصر في «إبستين».
ليست الولايات المتحدة بجزيرة معزولة، بل هي واقعةٌ تحت مجموعة من الضغوط الكبيرة، فمنافسون كثر بقدرات هائلة يؤثرون على المشهد العالمي، بل ويعملون باجتهاد منقطع النظير منذ عقدٍ من الزمن، للتخلص من كميات كبيرة من الدولار الأمريكي، سواء تلك التي كانت تستخدم بوصفها احتياطياتٍ نقدية، أو التي كانت ضرورية لعمليات التبادل التجاري العابرة للحدود. فأخذت دول بريكس مثلاً تلجأ للذهب في مخزونها الاحتياطي، وتعتمد أكثر فأكثر على التبادل بالعملات المحلية، ما أخرج ويخرج كميات كبيرة من الدولار من حيّز التداول، مع كل ما يعنيه ذلك من انعكاسات على الولايات المتحدة، التي تمتعت لعقود بميزة «خارقة» إذ تحوّل ريع الدولار الأمريكي إلى شريان رئيسي في جسد الإمبراطورية الأمريكية، فمن جهة حافظ هذا النهب الهائل على مستوى من الاستقرار الداخلي، ومكّن واشنطن أيضاً من تمويل ماكينة عسكرية ضخمة حول العالم، بالإضافة إلى كونه وسيلة للتحكم بسياسات الدول.
إن تخلي الدول عن الدولار بهذا التسارع، وارتفاع أصوات الدول الأوروبية المؤيدة لهذا التوجّه هو في الحقيقة جرس إنذار حقيقي يصمّ الآذان في العاصمة واشنطن، وهذا الخطر يعدّ محرّكاً أساسياً في سلوك الولايات المتحدة، بغض النظر عن الاختلافات بين التيارات في كيفية التعامل مع الواقع الجديد.
نصف الكرة الغربي أو إيران؟!
خلال الأشهر الماضية، وبعد الإعلان عن استراتيجية الأمن القومي في الولايات المتحدة، أصبحت هناك وثيقة رسمية توصّف ما كان يجري بالفعل، وما هي الخطوط العريضة التي يعمل عليها التيار الموجود في البيت الأبيض، وظهرت عملية اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو تجسيداً للمسعى الأمريكي لفرض هيمنة مطلقة في المحيط الحيوي، وتحديداً في أمريكا اللاتينية، بينما وبالنظر إلى التصعيد في إيران، والحشد العسكري الأمريكي، والتحذير المستمر بتوجيه ضربات عسكرية، حتى أثناء انعقاد مفاوضات بين واشنطن وطهران، كل ذلك يطرح مسألة مهمة: إن كانت الولايات المتحدة تركّز اهتمامها على نصف الكرة الغربي، وتعلن في استراتيجية الأمن القومي رغبتها في حضور أقل- تحديداً بالمعنى العسكري- في غرب آسيا، فما هو تفسير هذا الضغط على إيران؟
المعروف أن إسقاط النظام الإيراني مطلوب أمريكياً، لكن الهدف ليس تغيير النظام، بل تفتيت إيران كوحدة جغرافية وسياسية، ما يمكن أن يحقق أولاً تهديداً حقيقياً للمصالح الاستراتيجية لروسيا والصين، ويمثل تغييراً جذرياً في التوازن القائم في غرب آسيا لصالح «إسرائيل»، ويضمن لواشنطن السيطرة على كميات إضافية كبيرة من النفط الخام، الذي يمكن أن يتحوّل مع الاحتياطيات في فنزويلا إلى مجال أوسع، يسمح لواشنطن بالتحكم أكثر بالعرض والطلب في سوق النفط العالمي فضلاً عن التسعير. هذا بالإضافة إلا أن أي اضطرابات في تلك المنطقة من شأنها أن تعرقل قدرة الصين للوصول إلى احتياجاتها من الطاقة، وستفرض على الدول الأوروبية أن تعتمد أكثر من أي وقتٍ مضى على الإمدادات الأمريكية.

إن ما سبق، يزيد من رغبة واشنطن في إسقاط إيران، لكنّه في الوقت ذاته مفهوم للأطراف الأخرى المتضررة، التي تعمل معاً وتضع إمكانياتها في خدمة إفشال الخطة الأمريكية، هذا التنسيق أربك واشنطن، فهي اليوم لن تخوض معركة مع إيران، بل مع شبكة معقدة من المصالح المتداخلة لقوى إقليمية ودولية أخرى، ما يمكن أن يزيد التكلفة على واشنطن بشكل كافٍ لتسريع انهيارها أكثر، واليوم لا يظهر مخرج يمكن أن تكون واشنطن فيه رابحةً، فإن بدأت عدواناً جديداً على إيران لا تضمن نتائجه، ولكنها متأكدة من أن خسائرها ستكون هائلة، وإن تراجعت وذهبت إلى صفقة تشبه صفقة 2015 ستكون هذه خسارة أيضاً، نظراً إلى أن ترامب ومنذ ولايته الأولى انسحب من هذه الاتفاقية، لأنه يريد «الوصول إلى اتفاق أفضل» وإن تراجعت واشنطن عن العمل العسكري، أو أقدمت عليه، فلن يدفع الإيرانيين إلا لمزيد من التشبث بموقفهم الحالي.


من يضع السياسات الأمريكية؟


المشكلة الحقيقية في فهم منطق السياسية الأمريكية اليوم، تكمن في أننا نعلم أن انقساماً كبيراً موجوداً في الداخل، بين من يُسمون بتيار العولمة، والتيار الانكفائي، وإن كان ترامب اليوم ممثلاً للتيار الانكفائي، إلا أنّه وفي موقعه هذا مضطر في كثير من الأحيان للتعبير عن توازن محدد في الداخل، وهو غير قادر على وضع برنامجه قيد التنفيذ في ظل وجود تيار مناقض له وزنه، ما يعني أننا نشهد مداً وجزراً يحاول فيها كل تيار ضرب قدرة الآخر على عرقلته، قبل أن يدفع بالاتجاه الذي يريده، ما يجعل الولايات المتحدة خطراً حقيقياً على السلم العالمي، فمستوى الأزمة غير مسبوق، وهم يواجهون خطر الانهيار الحقيقي، بل والتفتت نحو انتهاء الوحدة التي جمعت هذه الولايات، من هنا يبدو أن الضغط على إيران ضروري بالنسبة لواشنطن، لا يمكن تخفيفه الآن، لكن ذلك لا يعني أنّه سيتحوّل بالضرورة إلى حرب مفتوحة، فأي خطأ في الحسابات يمكن أن يتحوّل إلى حرب مدمرة، وسيكون من الصعب التحكم بها، إن سلوك واشنطن وبالرغم من خطورته الشديدة، هو تعبير عن تسارع شديد في تحولات المشهد العالمي، فروبيو في مؤتمر ميونخ كان يدعو لقبول فكرة أن العالم القديم ينهار، وأن تلك القواعد التي بُني عليها أصبحت اليوم أسلحة تستخدم ضد واشنطن، لكنّه لم يقل إن العالم الذي
تفكر فيه واشنطن يختلف كلياً عن ذلك الذي تطمح له «دول الجنوب» وإن واشنطن ورغم معرفتها بطبيعة التغيرات الجارية تعمل بشكل حثيث على التحكم بشكل المخرج النهائي، من هنا لا يبدو استهداف إيران بوصفه مخرجاً للولايات المتحدة، بقدر ما هو مسألة ضرورية ستغير شكل التطور الحالي، إن حصلت، فإن تفجير إيران لن يكون كافياً لإيقاف التحوّل العالمي، ولكنّه سيتحكم بشكله ويؤخره.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1265