الفيل الذي دخل مؤتمر ميونخ للأمن
الفيل الذي يتجاهله الجميع في الغرفة لم يعد مجازاً، بل صورة غلاف لتقرير ميونخ للأمن لعام 2026! كل عام، يَستبق مؤتمر ميونخ للأمن الأوروبي انعقاده بتقرير يطرح أهم الإشكالات التي سيتم نقاشها. تقريرُ العام يعلنُ صراحة أن النظام الدولي القديم بات في طور التفكك، وأن مرحلة ما بعد العولمة، أو ما كان يُسمّى «النظام القائم على القواعد» تقترب من نهايتها. السؤال الذي يخيم على ميونخ لم يعد إن كان النظام يتغير، بل كيف ستتموضع الدول في عالم جديد يولد لم تتضح ملامحه بعد؟
بدا الخطاب السائد في كلمات القادة الأوروبيين مائلاً إلى التأكيد على الرغبة في استعادة موقعهم داخل المسار التفاوضي الذي تقوده الولايات المتحدة بشأن أوكرانيا، مصحوبة بشهية عارمة للتسلح مهما كلف الثمن، مع اتخاذ خطوات لتقليل الاعتماد على الولايات المتحدة وتعزيز التعاون بين دول الاتحاد، مع خطوات حذرة للتوجه للتعاون مع الصين وغيرها من دول الجنوب العالمي.
مواقف الدول الأوروبية الأساسية
كان المستشار الألماني فريدريش ميرتس (حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي) قد افتتح مؤتمر ميونخ للأمن يوم الجمعة، في كلمة عكست حجم التحولات التي تشهدها السياسة الخارجية والأمنية الألمانية. وعبّر فيها عن أسفه إلى ما وصفه بعودة منطق سياسات القوى العظمى، في إشارة إلى الولايات المتحدة وروسيا والصين. ورداً على سؤال من رئيس الجلسة حول سبب عدم انخراط الأوروبيين في تواصل مباشر مع موسكو لمعالجة قضايا أمن القارة، أكد أن روسيا يجب أن تُستنزف اقتصادياً وعسكرياً أولاً، متجاهلاً الاستنزاف الذي يضرب الشعب الألماني. ودعا ميرتس لتغيير في طريقة التفكير، طارحاً ما سماه «برنامج الحرية» (وللقارئ أن يتخيل حرية أي الطبقات يقصد ميرتس الرئيس التنفيذي السابق لعملاق الاستثمارات بلاك روك). يتضمن برنامج حريتهم:
أولاً: تشكيل قوة عسكرية ضاربة تُحول الجيش الألماني لأقوى جيش تقليدي في أوروبا.
ثانياً: تعزيز الاتحاد الأوروبي تحت قيادة ألمانية، وأعلن أنه أجرى مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون «محادثات سرية حول الردع النووي الأوروبي» أما داخل حلف الناتو تماشى ما طلبه ترامب، بأن على الاتحاد إنشاء «ركيزة قوية وقادرة على الاكتفاء الذاتي».
ثالثاً: «تأسيس شراكة عبر أطلسية جديدة» تقوم على قوة الاتحاد الأوروبي العسكرية الجديدة لا ضعفه.
رابعاً: النقطة الأخيرة هي إنشاء «شبكة قوية من الشراكات العالمية»، بغض النظر عن التطابق الكامل في القيم والمصالح. وذكر كندا واليابان وتركيا والهند والبرازيل، وكذلك جنوب أفريقيا ودول الخليج.
أما رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، فقد سعى إلى طمأنة الحلفاء بأن بريطانيا ستبقى لاعباً أمنياً محورياً في أوروبا رغم البريكست، مؤكداً، أن القارة ليست ضعيفة، بل «عملاق نائم» يمتلك مقومات القوة إذا ما تعاونت. وشدد على التزام جميع أعضاء حلف الناتو بالمادة الخامسة الخاصة بالدفاع المشترك، مؤكداً، أنه «لا ينبغي لأحد أن يشك في أن الولايات المتحدة ستسارع إلى نجدة أي عضو يتعرض للخطر»، من دون التطرق إلى سيناريوهات يكون فيها أحد أطراف التحالف نفسه مصدر التهديد، كما في قضية غرينلاند. وأبدى قلقه من طروحات في بلاده ترفض نهجه هذا، وتميل لتكون مرنة مع روسيا.
وسارع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لاقتراح حلول ترمم نتائج الموقف الأوروبي المتشدد في أوكرانيا، فبعد قرارات الاتحاد الأوروبي بتعليق الحوار مع الكرملين وتعطيلهم للمفاوضات، استمر التقدم الروسي على الأرض، وبادرت الولايات المتحدة لقيادة مفاوضات خطة «السلام» دون الأوروبيين، مما أيقظ المخاوف الأوروبية من سيناريو يشبه مؤتمر «يالطا الثاني» عام 1945 الذي تقاسمت فيه الولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد السوفييتي أوروبا بعد الهزيمة في الحرب العالمية الثانية، دون مشورة دولها. فأكد ماكرون في كلمته «لا سلام مع روسيا دون الأوروبيين، لا يمكنكم التفاوض دوننا كطرف، لذا فكرنا بتدشين قناة دبلوماسية مع روسيا وسنكون جزءاً من الحل».
ورغم الخطاب المتكرر عن التعاون والوحدة، فإن تاريخ الاتحاد الأوروبي مليء بالتناقضات البنيوية، حيث كثيراً ما طغت مصالح الدول المركزية اقتصادياً على حساب الدول الأضعف داخل المنظومة. واليوم، لا تقتصر هذه التباينات على العلاقة بين المركز والأطراف، بل تمتد إلى داخل الدول المركزية نفسها، إذ يبرز التنافس الألماني–الفرنسي إلى السطح كلما تعلق الأمر بالملفات الاستراتيجية الكبرى. ويُعد الخلاف حول برنامج FCAS (Future Combat Air System) مثالاً واضحاً على ذلك. فهذا المشروع، الذي يُفترض أن يكون أكبر منظومة جوية قتالية أوروبية مشتركة لتحل محل طائرات Eurofighter وRafale بحلول عام 2040، اصطدم بخلافات حول قيادة المنظومة، والوصول الكامل إلى التكنولوجيا. وقد أدى ذلك إلى طرح سيناريو تطوير مقاتلتين منفصلتين بدلاً من مقاتلة واحدة مشتركة، وهو خيار قد يرفع التكاليف، ويطيل الجدول الزمني للمشروع، ويعكس في الوقت ذاته عمق التنافس داخل ما يُفترض أنه إطار تكاملي.
في المقابل، تعيش المجتمعات الأوروبية تحت وطأة أزمات اقتصادية واجتماعية متلاحقة، ما يجعل الحديث عن زيادات واسعة في الإنفاق العسكري مصدر توتر داخلي متزايد. ومن اللافت، أن نتائج استطلاع «مؤشر ميونخ للأمن» الذي سبق انعقاد المؤتمر أظهرت أن نسباً ملحوظة من المشاركين على رأسها فرنسا وألمانيا وبريطانيا، تدرك تماماً أن السياسات الحكومية الحالية قد تُلحق ضرراً بالأجيال المستقبلية!!! في الواقع، هذا هو الفيل الحقيقي الذي تتجاهله الحكومات الأوروبية، والذي إن غضب سينزل إلى الشارع، وسيعرف بسهولة أولئك الذين أثخنوا فيه الجراح.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1265
ديما النجار