هل تكفي خطوط الاشتباك الأوكرانية لتفسير ما يجري في العالم؟

هل تكفي خطوط الاشتباك الأوكرانية لتفسير ما يجري في العالم؟

لا شك أن الأخبار المتسارعة للصراع في أوروبا وأوكرانيا أصبحت عامل تشويش بالنسبة لكثير من المراقبين، ويمكن القول: إن «نسب التعرض العالية» للضخ الإعلامي تساهم بشكلٍ كبير في عملية التشويش هذه، فخطوط الجبهة تتغير نسبياً على مدار الساعة، وأحداثٌ وتهديدات كبرى تتصاعد، والأخطر، استهدافات لبنى تحتية حساسة كخطوط أنابيب السيل الشمالي، وجسر القرم. فكيف لنا أن نتلمس الطريق في وسط كل هذا الصخب؟!

لا يمكن القول: إن أحداً يملك «وصفة» لفهم تفاصيل كل ما يجري، فبعض، الأحداث ربما تبقى ألغازاً لعقودٍ من الزمن، وهو أمرٌ ملازمٌ لكل الأحداث الكبرى، تحديداً تلك التي غيرت شكل العالم من حولنا. وربما تكون هذه الفكرة بالذات مفتاحاً ملائماً لفهم الصورة العامة لما يجري في هذه اللحظة.

عن أية معركة نتحدث؟

تجيب معظم وسائل الإعلام والمحللين على هذا السؤال بالقول: إن المعركة هي معركة روسيا في أوكرانيا، وإن كل ما يجري إنما نتائجها المباشرة أو الجانبية، وتذهب بعض الأجوبة الأخرى إلى درجة أكبر من التفصيل في شرح أهداف هذه المعركة، فالبعض يقول: إن هدفها تثبيت حياد أوكرانيا، وإبعاد الناتو عن حدود روسيا، بينما يؤكد البعض الآخر أن حرباً كهذه لا يمكن قراءتها إلا بوصفها نزعة توسعيّة روسية، أو ربما رغبة في الهيمنة، أو أكثر من ذلك، القول بأنها «تطور طبيعي في سلوك إمبريالية صاعدة»!
لكن إذا بحثنا بشكلٍ أعمق في جوهر ما يجري يمكننا الوصول إلى أجوبة أدق وأكثر قرباً إلى العلم والواقع. فالصدام الجاري الآن يتجاوز حدود أوكرانيا، ويشمل العالم كله! وتعد أوكرانيا شرارة ما يجري، ولو تغيرت بعض المقدمات لانفجر الصراع ذاته من مكانٍ آخر! فالرسائل التي أرسلتها روسيا إلى الولايات المتحدة والناتو قبل بدء العمليات العسكرية حمّلت مقترحات لنزع فتيل التفجير القادم، وتركز فحواها لا على ما ينبغي القيام به في أوكرانيا فحسب، بل ما ينبغي القيام به في العالم كله، فالمقترحات الروسية تحدثت فعلياً عن أن الوقت قد حان لتفكيك عالم ما بعد الحرب الباردة، عالم الأحادية القطبية. وإن عدنا في الزمن إلى أواخر تسعينيات القرن الماضي يمكننا رصد بعض ملامح تطور هذه المطالب، لكن كلمة الرئيس الروسي في مؤتمر ميونخ للأمن في عام 2007 شكّلت نقطة علّام لا يمكن تجاهلها في فهم ما يجري اليوم. في ذلك اليوم وقف بوتين أمام أبرز قادة الغرب ليعلن أن الحرب الباردة، كغيرها من الحروب، خلفت «قنابل لم تنفجر» ليشير بعدها إلى العالم أحادي القطب الذي حدّد معناه بوضوح: «هو مركز واحد للسلطة، ومركز واحد للقوة، ومركز واحد لاتخاذ القرار». ليضيف بأن شكل العالم هذا سيكون مُدَمِراً «لا لأولئك الموجودين في إطاره فحسب، بل لسيده نفسه لأنه يقوضه من الداخل». ثم نبّه الرئيس الروسي وقتها إلى أنَّ: «مجمل الناتج الإجمالي المحلي للهند والصين في معادلة القوة الشرائية أكثر مما لدى الولايات المتحدة الأمريكية، الناتج الإجمالي المحلي، على هذا الأساس لدول البرازيل وروسيا والهند والصين يفوق مجمل الناتج الإجمالي المحلي للاتحاد الأوروبي» ليضيف بعدها بأنه: «لا ينبغي الشك في أن المقدرة الاقتصادية للمراكز الجديدة للنمو العالمي ستُحوّل حتماً إلى نفوذ سياسي وسيتعزز تعدد الأقطاب».
كيف تصرّف الغرب بقيادة الولايات المتحدة بعدها؟ تصرف بأشد أشكال النكران، على الرغم من أن بوتين لم يكن يتحدث عن رغباته بل كان يتحدث عن قوانينٍ موضوعية، فالمنتجين الكبار في هذا العالم سيكون لهم بلا شك رأُي في إدارة شؤون الكوكب، وهو ما تبين مجدداً استحالة تنفيذه طواعية، فالعالم ذو الأقطاب المتعددة الذي خلقته الظروف الجديدة وجد نفسه في صراع وجودي مع العالم القديم، وما نراه اليوم على مستوى العالم هو هذه المعركة النهائية.

ما الذي تحقق حتى الآن؟

في هذه الحالة، وإذا ما كنا نريد فهم ما يجري بدقة، ينبغي علينا قياس «التقدّم» و«التراجع» لا في خطوط الاشتباك العسكري فحسب، بل عبر رصد التغيرات في الاقتصاد والنظام السياسي العالمي. بل الأكثر من ذلك أن بعض ما وضع على جدول الأعمال قد يحتاج بضع سنواتٍ قادمة ولا يمكن قياسه بالأيام والأسابيع. فإصلاح النظام السياسي العالمي وكل ما يتبع له من منظمات كالأمم المتحدة وغيرها بدأ يتغير بالفعل! ونسمع حديثاً متزايداً عن إعادة هيكلته وتمثيل دولٍ جديدة، وهو مؤشر جدي على بداية تفكيكه وإصلاحه. يمكننا أيضاً رصد تغييرات جذرية بالطرق التجارية العالمية، وما يعنيه هذا من نشوء كيانات جديدة متينة تعيد روابطها التاريخية تلك التي عمل الاستعمار منذ قرون على تفتيتها. فروسيا والصين والهند تعمل اليوم بشكلٍ حثيث على تثبيت علاقات اقتصادية وتجارية استراتيجية تجعل من هذه المنطقة، وكل الدول المحيطة بها أشبه ما يكون لكيان حيوي واحد تماماً كما كان تاريخياً. يضاف إلى ذلك التراجع الملموس بدور الدولار في المعاملات التجارية على المستوى العالمي، وتقدم العملات الوطنية كبديل أولي عن الهيمنة الأمريكية السابقة، وكل ما رافقها من معدلات النهب الاستثنائية. والمثال الأخير الذي يمكن الإشارة إليه هو: حجم التغييرات الجارية في حكومات أوروبا التي بدأت تتهاوى تباعاً منذ بداية المعركة، وما يعنيه هذا على مستقبل العلاقات التي فرضتها الولايات المتحدة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية على هذه البلدان.

القول بأن الصدام يجري على المستوى العالمي لا يعني أن نتائج المعارك الميدانية في أوكرانيا لا تؤثر إلى درجة ما على مجرى الأحداث، لكن ما نحاول قوله أن خسارة أو كسب بضع قرى هناك لن يغير حقيقة تفكك النظام الدولي القديم، وتقدم قوى جديدة بثبات. لمعركة أوكرانيا قواعد تحددها ظروف المعركة نفسها. ما يبدو واضحاً حتى الآن أن روسيا نجحت في السيطرة على نسبة كبيرة وحيوية من أوكرانيا، ودمرت البنية التحتية العسكرية في معظم المناطق، ما حول هذه الحرب إلى أكبر استنزاف مالي وعسكري بالنسبة للغرب، الذي بدأ قادته العسكريين يشتكون من نقص مقلق في مخزون العتاد العسكري الاستراتيجي. هذا لا يعني إنكار انتكاسات في عدة مناطق في خطوط الاشتباك، لكنها الحرب، وكل ما يجري وسيجري مستقبلاً ما هو إلا أمرٌ لا راد له، لكنه لا يشكل سبباً كافياً بالنسبة لروسيا للتراجع أو القبول بالمساومات.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1091
آخر تعديل على الثلاثاء, 11 تشرين1/أكتوير 2022 14:48