مراد جادالله مراد جادالله

أدوات الهيمنة الإمبريالية، هل اُستنفدت؟

تسعى منظومة الهيمنة المتمثلة بالغرب الأوروبي والأمريكي إلى الاستمرار بالإرث الاستعماري عبر إعادة إنتاج تقسيمات سياسية في المنطقة لايمكن أن تستقر هذه التقسيمات، إلا إلى الفوضى طبعاً.

تراعي الولايات المتحدة وحلفائها في الظرف الحالي حالة الضعف التي تعصف بهم، حيث مازالت الأزمة الاقتصادية تهدد أوروبا بالركود المزمن، بينما تواجه الولايات المتحدة خطر الهاوية المالية. بالاستناد إلى هذا المعطى لانستطيع أن نفترض أن السياسيات الإمبريالية قيد التراجع، بل نستطيع أن نؤكد أن هذه السياسات وُضعت تاريخياً لتفادي دخول المراكز الإمبريالية في أزمات تُضعف من هيمنتها، أي أن هذه السياسات تأخذ ضمناً بعين الاعتبار الدور المطلوب في سِنيّ الأزمات.

من المؤكد أن هذه الأزمة تختلف عن سابقاتها بكثير وهي تكاد تكون أزمة نهائية ستفضي إلى تغيّر نوعي في قلب المراكز الإمبريالية، ولكن على الأقل علينا أن نعي جيداً أن سادة البيت الأبيض والكونغرس وحلفاءهم سيقاتلون حتى النهاية.

ينبني على ماتقدم فكرة واجبة الإيضاح، وهي أن لكل موقع، أدوات تخدم الاستراتيجية ذاتها، وهنا علينا أن لانتوهم مطلقاً بأن القوى الإمبريالية ستكون رحيمة مع شعوبها أو شعوبنا في المرحلة القادمة . لقد استخدمت المراكز الإمبريالية العديد من الأدوات للسيطرة ، منها في العهد السابق عصر ازدهارها : الانقلابات العسكرية، والغزو المباشر، والاحتلال، والثورات الملونة، والاغتيال السياسي لقادة وزعماء، وتفتيت الدول، واستخدام الأنظمة القمعية العميلة، والهيمنة الاقتصادية عبر العولمة.. الخ.

أما في العهد الحالي الذي تبدو فيه المراكز الكبرى غارقة ومنهمكة في مشاكلها المحلية فهي حتى اللحظة تقوم على عدة أنماط ملموسة:

-النموذج الليبي الذي استدعى لأول مرة قراراً دولياً توافقياً بالتدخل العسكري، لكن على ما يبدو أن هذا الخيار قد بات مكشوفاً،على الأقل للدول الصاعدة كالصين وروسيا.

-النموذج في تونس ومصر وهو الدفع عبر الأدوات المالية والإعلامية والضغوط السياسية لسلب الثورات -التي اندلعت وستندلع- قياداتها وبرامجها، وذلك بدعم قوى محددة ذات برامج وقيادات متوافقة مع الغرب.

-نموذج الفوضى الخلاقة وهو نموذج تقسيم المقسم وتفتيت المفتت، ويبدو هذا واضحاً في حالات العراق وسورية ومالي والصومال ، حيث يتم ضرب البنى الأساسية للدولة عبر دفع نماذج من المقاتلين تستهدف الجيوش الوطنية على قاعدة الأخطاء المرتاكمة في هذا البلد أو ذاك، حيث يمثل هؤلاء المقاتلون برنامج الفوضى، فهم لا برامج لهم إلا قتال كل من يخالفهم الرأي وبالتالي تأمين استمرارية الفوضى إلى ما لانهاية.

-خيار القمع الداخلي وهو خيار تم استخدامه كثيراً من المرات، وذلك في مواجهة المنتفضين في لندن، وقبلها في ضواحي باريس، وفي وول ستريت وقبلها نتذكر أحداث سياتل في 2001 وهو خيار كانت أكثر أشكاله فجاجة هو قمع احتجاجات البحرين ، ولكن مع استمرار الإضرابات العمالية في المراكز الغربية، واستمرار الغرب باستخدام  فزاعة الإرهاب لإضطهاد شعبه، سيتم على الأرجح النزوع لهكذا خيار في اللحظات الحرجة.

-يبقى الخيار الأكثر كارثيةً هو اضطرار هذه القوى إلى توسيع رقعة الحرب حتى لو استدعى ذلك حرباً شاملة تفضي إلى استخدام أسلحة الدمار الشامل.

بالمقارنة بين الخيارات  التي استخدمتها الإمبريالية في لحظات قوتها، والخيارات التي تستخدمها الآن في ظروف الأزمة، نجد أن هناك ميلاً مرتفعاً للعنف والانتقام في أدواتها الراهنة، خلافاً لما حاول قادة الغرب تصديره حول القوة الناعمة وحوار الحضارات وحوار الأديان وكل هذه الترهات.

إن خيار العنف يعكس إلى حد بعيد أن الأزمة  تضرب عصب الإمبريالية في العمق، وهو ما يعني أنها في ميلها للانحدار لن تتورع عن أي عمل جنوني تجاه الشعوب التائقة للحرية والانعتاق.