بردى يُدفن حياً... من المسؤول عن تجفيف شريان وادي بردى وتهديد زراعته وبيئته؟

بردى يُدفن حياً... من المسؤول عن تجفيف شريان وادي بردى وتهديد زراعته وبيئته؟

ليس أخطر ما يحدث لنهر بردى أن ينخفض منسوبه في سنوات الجفاف، بل أن يتحول مجراه نفسه إلى مساحة إسمنتية جافة، فيما تمر المياه بعيداً عن التربة والأشجار والأراضي التي عاشت عليها قرى وادي بردى لعقود. هنا لا تعود القضية شحاً مائياً عابراً، ولا مشكلة خدمات يمكن تأجيلها إلى موسم آخر، بل تصبح قضية اعتداء على وظيفة النهر الطبيعية، وعلى الزراعة والبيئة والاقتصاد المحلي معاً.

في القطاع الممتد بين عين الخضراء وبسيمة وأشرفية الوادي وجديدة الوادي، وثقت تقارير وشكاوى محلية أن المياه التي كانت تجري في سرير بردى أصبحت تمر ضمن بواري موضوعة في سرير النهر ومغطاة بالإسمنت المسلح، ما ترك سطح المجرى جافاً ومنع تسرب المياه نحو الأراضي الزراعية المحيطة. وأكد رئيس بلدية جديدة الوادي أن مظاهر العطش واليباس بدأت بالظهور، وأن الأشجار والأراضي الزراعية باتت مهددة، فيما لم تكن الآبار التي قيل إنها ستُستخدم لتعويض هذا الفقد قد فُعّلت حتى وقت نشر الشكاوى.
المفارقة الصارخة أن مشروعاً يفترض أن يعالج الصرف الصحي ويحمي نهر بردى من التلوث أصبح- بسبب طريقة التنفيذ أو غياب المعالجة المتوازنة لآثاره- جزءاً من المشكلة. لا أحد يعترض على جمع مياه الصرف ومعالجتها؛ بل إن ذلك ضرورة بيئية وصحية. الاعتراض الحقيقي هو أن حماية النهر لا يمكن أن تعني حماية الأنابيب على حساب النهر نفسه، ولا يجوز أن تُنقل مشكلة التلوث من مجرى المياه إلى التربة والزراعة والغطاء النباتي.
وهنا تقع المسؤولية الأولى على وزارة الطاقة والجهات التابعة لها والمسؤولة عن الموارد المائية؛ أين دراسة الأثر المائي والبيئي للمشروع؟ أين الخطة التنفيذية التي تضمن استمرار جريان المياه في السرير الطبيعي؟ ولماذا بقيت الآبار المقترحة لضخ المياه إلى المجرى، بحسب الشكاوى المنشورة، خارج الخدمة؟ ومن المسؤول عن مراقبة التنفيذ ومطابقة الأعمال للمواصفات؟
لا يكفي أن يقال إن هناك مشروعاً قيد التنفيذ؛ المطلوب أن يكون المشروع حلاً متكاملاً لا أن يحل مشكلة الصرف بخلق مشكلة زراعية وبيئية جديدة.

أما وزارة الزراعة فلا يمكنها التعامل مع جفاف الأراضي والأشجار باعتباره شأناً ثانوياً. فالأرض الزراعية التي تفقد مصدر ريها لا تحتاج بعد ذلك إلى بيانات عن الخسائر؛ تحتاج إلى حماية قبل أن تتحول الأشجار إلى حطب والأراضي إلى مساحات مهجورة. الوزارة مطالبة بمسح عاجل للأراضي المتضررة، وتقدير الخسائر الزراعية، وتحديد الاحتياجات المائية، والضغط باتجاه ضمان مورد مستدام للري، لا انتظار انهيار الإنتاج ثم تسجيل الأضرار.
وتتحمل المحافظة والبلديات والجهات البيئية والتنفيذية مسؤولية الرقابة والتنسيق أيضاً. فالمحافظة سبق أن طلبت من الموارد المائية التدقيق واتخاذ الإجراءات اللازمة والتقيد بالشروط والمواصفات الفنية. لكن القضية اليوم تحتاج أكثر من مخاطبات متبادلة؛ تحتاج جهة واحدة تملك صلاحية القرار، وجدولاً زمنياً معلناً، وقياسات ميدانية تثبت أن الحل أعاد المياه إلى المجرى ولم يكتف بإبقائها داخل الأنابيب.

والخسارة ليست زراعية فقط. وادي بردى منظومة بيئية واقتصادية وسياحية متكاملة؛ فالنهر كان يسقي أراضي القرى عبر أقنية وفروع، وكانت أشرفية الوادي تعتمد على الزراعة المروية على ضفافه، ولا تزال الفواكه والخضار جزءاً من إنتاجها المحلي. جفاف المجرى يعني تراجع الغطاء النباتي، وارتفاع كلفة الري، وانخفاض إنتاج الأراضي، وتراجع قيمة العقارات الزراعية، وضرب مصدر دخل أسر بأكملها، فضلاً عن تهديد المشهد السياحي الذي ارتبط تاريخياً بالماء والخضرة.
والأخطر أن ترك المشكلة تتفاقم قد يطلق سلسلة يصعب عكسها؛ تراجع الزراعة، زيادة الاعتماد على الآبار، استنزاف المياه الجوفية، جفاف الأشجار، تدهور التربة، ثم تحول الوادي الأخضر تدريجياً إلى بيئة أكثر جفافاً وفقراً. وعندها لن يكون إصلاح خط أو تشغيل بئر كافياً؛ ستكون هناك منظومة بيئية كاملة تحتاج إلى سنوات وأموال ضخمة لاستعادتها.

بردى ليس مجرد قناة لتصريف المياه، ولا يجوز اختزال وظيفته في نقل مياه الصرف إلى محطة المعالجة. إنه نهر له سرير طبيعي وبيئة وزراعة ومجتمع واقتصاد محلي. وإذا كان الهدف الحقيقي إنقاذ بردى، فإن المطلوب الآن وقف التعامل معه بمنطق المشاريع المنفصلة؛ الصرف الصحي في جهة، والزراعة في جهة، والموارد المائية في جهة أخرى. المطلوب مشروع واحد لإنقاذ النهر، تتحمل فيه كل جهة مسؤوليتها بوضوح، وتُحاسب على النتائج لا على عدد الكتب والمخاطبات.
إن ترك سرير بردى جافاً بينما تمر المياه تحته ليس حلاً، بل تأجيل لانفجار أكبر. وما يجري اليوم في بسيمة وأشرفية الوادي وجديدة الوادي يجب أن يُعامل كإنذار مبكر لا كشكوى محلية. فحين يموت النهر، لا تموت المياه وحدها؛ تموت معه الزراعة والبيئة وذاكرة المكان وجزء من اقتصاد الوادي. ومن يملك قرار وقف هذا المسار ولا يفعل، يتحمل مسؤولية ما سيأتي.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1291