الصهاريج التي تسبق الكارثة... إلى متى يبقى طريق حمص– طرطوس رهينة الفوضى؟
لم يعد حادث صهريج النفط الذي وقع بتاريخ 14 آب 2026، على طريق حمص–طرطوس حادثاً عابراً يمكن اختزاله في خطأ سائق أو عطل ميكانيكي. الحادث، الذي أدى وفق التقارير الأولية إلى سقوط خمسة قتلى وثلاثة مصابين، يعيد إلى الواجهة سؤالاً أكثر إلحاحاً: ماذا تفعل الجهات المعنية أمام الارتفاع الكبير في أعداد صهاريج نقل النفط والمشتقات التي تجوب الطرق السورية، وهل اتخذت فعلاً إجراءات تتناسب مع هذا التصاعد الخطير في حركة النقل؟
المشكلة أن الحادث أعلاه يأتي بعد سلسلة حوادث مؤلمة خلال أسابيع قليلة، ولا سيما على محور حمص– طرطوس.
ففي 9 حزيران اصطدم صهريجان محملان بالنفط على الطريق الدولي قرب جسر أم جامع، وتسربت كميات كبيرة من النفط إلى الطريق، ما تسبب بازدحام وخروج أجزاء من الطريق عن الخدمة مؤقتاً.
وفي 6 تموز انقلب صهريج محمل بالفيول قرب تلكلخ بعد اصطدامه بالمنصف، فاندلع حريق واسع وانتهى الحادث بمقتل شخصين، واستغرقت عمليات الإطفاء نحو ساعتين.
وبعد أقل من شهر، في 28 تموز، اصطدمت شاحنة محملة بالحبوب بصهريج فيول قرب مفرق حديدة على الطريق نفسه، ما أدى إلى وفاة شخصين وإصابة آخر.
ولا تقتصر الصورة على طريق حمص– طرطوس. ففي أيار، تعرضت قافلة تضم أكثر من 130 صهريجاً محملاً بالفيول العراقي لحادث على طريق M4 قرب بسنقول، بعد فقدان صهريجين القدرة على الكبح؛ وأسفر الحادث عن وفاة سائق وإصابة ثلاثة أشخاص، إضافة إلى أضرار بعدد من الصهاريج والسيارات.
هذه الوقائع لا تثبت، بطبيعة الحال، أن كل حادث سببه زيادة عدد الصهاريج، ولا يجوز استباق التحقيقات الفنية. لكنها تثبت شيئاً آخر أكثر وضوحاً؛ حجم حركة الصهاريج ازداد بصورة كبيرة، بينما المخاطر الملازمة لهذا النوع من النقل أصبحت أكثر حضوراً في حياة السوريين اليومية.
والأرقام وحدها تكفي لإدراك حجم التحول. فبحسب تقرير نُشر في 5 آب ونقل عن أحمد قبه جي، نائب المدير التنفيذي للشركة السورية للبترول لشؤون النقل والتخزين، يبلغ متوسط عدد الصهاريج العراقية الموجودة ضمن دورة النقل عبر سورية نحو 5,000 صهريج. ويتوزع الرقم تقريباً بين ألف صهريج يدخل سورية، وألف ينتظر في بانياس، وألف في مرحلة التفريغ، ونحو ألفي صهريج على الطريق وفي رحلة العودة. أي إن المقصود ليس خمسة آلاف صهريج تعبر الحدود يومياً، بل خمسة آلاف صهريج في دورة تشغيل مستمرة.
وهذا الرقم العراقي وحده يضاف إلى حركة الصهاريج السورية المحلية التي تنقل البنزين والمازوت والفيول بين بانياس والمحافظات. ففي 13 آب، أعلنت الشركة السورية للبترول خروج 275 صهريج بنزين و143 صهريج مازوت من بانياس لتلبية احتياجات المحافظات.
هنا تحديداً تصبح المسألة أمن طرق قبل أن تكون ملفاً نفطياً.
هل يعقل أن تتضاعف حركة الصهاريج الثقيلة على طرق قائمة ومكتظة، من دون منظومة صارمة لفحص المكابح والإطارات والصهاريج، وتحديد ساعات ومسارات الحركة، وفصل القوافل الثقيلة عن حركة المدنيين قدر الإمكان، وفرض مسافات أمان، ومراقبة السرعة، وتجهيز نقاط طوارئ وإطفاء على امتداد الطرق؟
المطلوب ليس انتظار الكارثة التالية ثم إرسال فرق الإطفاء. المطلوب منع الكارثة قبل وقوعها.
فالصهريج ليس شاحنة عادية؛ إنه يحمل مادة قابلة للاشتعال، وأي انقلاب أو تصادم قد يتحول خلال دقائق إلى حريق جماعي يهدد السيارات والمنازل والمارّة. وما حدث في حمص– طرطوس خلال الأسابيع الماضية يجب أن يكون إنذاراً كافياً.
إن أرواح السوريين ليست تفصيلاً جانبياً في مشروع نقل النفط، ولا يجوز أن تتحول الطرق العامة إلى ممر مفتوح لقوافل الصهاريج من دون منظومة سلامة توازي حجم هذه الحركة.
حادث 14 آب يجب ألّا يُغلق ببيان تعزية وإزالة آثار الحطام. يجب أن يفتح تحقيقاً جدياً في منظومة نقل النفط كلها؛ عدد الصهاريج، حالتها الفنية، ساعات عمل السائقين، السرعات، مسارات القوافل، إجراءات المرافقة، ونقاط الخطر على طريق حمص– طرطوس تحديداً.
لأن تكرار الحوادث القاتلة يعني أن المشكلة لم تعد في حادث واحد. المشكلة في منظومة تسمح بتزايد الخطر أسرع من تزايد إجراءات السلامة.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1291