الرعاية الصحية حق عام والعمل الخيري جسر لا بديل
في وقت يواصل فيه القطاع الصحي العام في سورية مواجهة أزمات التمويل والتجهيز والكوادر، تبرز المبادرات الخيرية كمساحة إنقاذ حقيقية لآلاف المرضى، خصوصاً من الفئات الأكثر فقراً. لكن المفارقة التي يجب التوقف عندها هي أن نجاح العمل الخيري لا ينبغي أن يصبح مبرراً لاستمرار ضعف القطاع العام، بل دليلاً على ضرورة استعادته لدوره وواجباته.
ويقدم اتحاد الجمعيات الخيرية في دمشق، من خلال عدد من مشاريعه الصحية، نموذجاً إيجابياً في القدرة على تحويل التبرعات إلى خدمات مباشرة من خلال بعض المرافق الصحية المتخصصة، وهناك جهات أخرى شبيهة تقدم الخدمات والمساعدات الصحية في دمشق وبقية المحافظات.
هذه الخدمات ليست تفصيلاً في بلد يواجه فيه المرضى صعوبة متزايدة في الوصول إلى العلاج. وتستحق التقدير، ليس لأنها تخفف معاناة المحتاجين فقط، بل لأنها تقدم مثالاً على ما يمكن أن تفعله الإدارة المنظمة حين تكون الأولوية هي الوصول إلى المستفيد وتحقيق أثر واضح للموارد المتاحة.
لكن هنا يجب أن تكون الحدود واضحة؛ الجمعيات الخيرية تستطيع سد فجوة، لكنها لا تستطيع أن تحل مكان الدولة.
فالعمل الخيري يقوم على التبرع والمبادرة، بينما تقوم الدولة على الحق والواجب والاستمرارية. الجمعية يمكن أن تؤمن جهاز غسيل كلى، أو تدفع تكلفة عملية، أو تقدم دواءً لمريض؛ لكنها لا تستطيع أن تدير منظومة صحية وطنية، ولا أن تضمن الرعاية الأولية لملايين المواطنين، ولا أن تؤمن مستشفيات عاملة في كل المناطق.
لذلك فإن اتساع الاعتماد على العمل الخيري ليس مؤشراً على نجاح الدولة، بل إن تحوله إلى ضرورة يومية يجب أن يكون إنذاراً للدولة نفسها.
المطلوب اليوم ليس منافسة الجمعيات الخيرية أو التقليل من دورها، وإنما استعادة القطاع الصحي العام لدوره الطبيعي؛ مستشفيات تعمل، تجهيزات متوافرة، أدوية ومستلزمات مؤمنة، كوادر محمية ومحفزة، ونظافة وخدمات تليق بالمريض. والأهم من ذلك كله إدارة شفافة للمال العام، ومساءلة حقيقية عن كل مورد يُنفق وكل مشروع يُعلن عنه.
وربما من المفيد هنا أن تتعلم المؤسسات العامة من بعض ما يميز العمل الخيري؛ وضوح الهدف، الرقابة على الإنفاق، قياس النتائج، والشعور بالمسؤولية أمام من يمول الخدمة ويستفيد منها.
لا ينبغي أن تكون سورية بلداً تتولى فيه الجمعيات علاج المرضى بينما تكتفي الدولة بإدارة العجز. فالصحة ليست صدقة، والمستشفى العام ليس منّة، والعلاج حق لا يحتاج إلى متبرع.
نريد العمل الخيري شريكاً للدولة، لا بديلاً عنها؛ سنداً للقطاع العام، لا ستاراً لعجزه. فنجاح الجمعيات في سد بعض الفجوات يستحق الاحترام، لكنه يجب أن يدفع الدولة إلى سؤال أكثر إلحاحاً: متى تستعيد مسؤوليتها عن صحة مواطنيها؟
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1291