كيف تعطل شائعة اللباس المدرسي الأسواق السورية؟
في مشهد يعكس أزمة مؤسساتية خانقة، يترقب ملايين السوريين مع أول كل شهر أيلول موعد افتتاح المدارس، لكن هذه المرة يترقبون لا شوقاً للعلم والمعرفة فقط، بل قلقاً مصيرياً يمس لقمة عيشهم ومستقبل أبنائهم.
فبينما حددت وزارة التربية والتعليم 6/9/2026 موعداً لبدء العام الدراسي الجديد، لا يزال الغموض يكتنف مصير الزي المدرسي لهذا العام، وسط شائعات عن استبداله بالكامل، وصمت مُطبق من الوزارة يُعدّ جريمة في حق الاقتصاد المحلي والأسر السورية.
تعيش مشاغل الخياطة المتخصصة في تجهيز اللباس المدرسي حالةً من الشلل التام، فبينما كان يفترض أن يكون موسم الصيف ذروة إنتاجها السنوي، ها هي اليوم متوقفة عن العمل، لا تبيع ولا تنتج، في انتظار «كلمة فصل» من وزارة التربية لم تصدر بعد!
فمن جهة، تخشى هذه المشاغل البدء بتفصيل اللباس القديم، لتُفاجأ بقرار تغييره فتتكبد خسائر فادحة لا تطاق، ومن جهة أخرى، فإن توقفها عن العمل يعني حرمان آلاف العمال والأسر من مصدر رزقهم الوحيد في هذا الموسم الحساس.
هذه ليست مجرد خسارة مادية لصاحب مشغل، بل هي أزمة عمالية واجتماعية متكاملة. فموسم المدارس يشكل متنفساً اقتصادياً لمئات المشاغل وآلاف العمال والعاملات في هذا القطاع، بالإضافة إلى بائعي الأقمشة والاكسسوارات والمستلزمات ولمحال البيع، لكن الشائعة حول تغيير اللباس المدرسي، التي لم تنفيها الوزارة ولم تؤكدها، جمدت هذا القطاع الحيوي بالكامل.
فمن يعوض هؤلاء العمال عن أيام عملهم الضائعة؟ ومن سيعيد لهم الأمل في موسم ينتظرونه طوال العام؟
أما الأسر «ذوو الطلاب» التي تعاني أصلاً من أوضاع معيشية واقتصادية صعبة، فقد وجدت نفسها في حيرة خانقة، فالبدء بشراء اللباس القديم الآن يمثل مغامرة مالية كبيرة، إذ قد يصدر قرار التغيير فيضطرون لشراء اللباس الجديد أيضاً، مما يعني عبئاً مالياً مضاعفاً لا تحتمله ميزانياتهم المثقلة بالأعباء أصلاً.
وفي المقابل، الانتظار حتى اللحظة الأخيرة قد يعني عدم توفر اللباس المناسب في الأسواق مع هامش استغلال وتحكم خصوصاً أن المعروض من الزي القديم أصبح شحيحاً بعد أن توقفت المشاغل عن الإنتاج.
وهكذا، أصبحت الأسر رهينة لشائعة، وصمت رسمي لا يُحتمل، ومع اقتراب موعد افتتاح المدارس، يزداد القلق ويتضاعف التوتر، في مشهد يعكس فشلاً إدارياً واستهانة بقدرات المواطن على التكيف والتعامل مع المتغيرات.
وهنا تجدر الإشارة، أنه في شباط 2026، أعلنت وزارتا التربية والتعليم والثقافة عن مسابقة وطنية لتصميم نموذج جديد للباس المدرسي، شملت جميع المراحل التعليمية وحددت فترة التقديم من 1/3/2026 حتى 1/5/2026 والهدف، وفق البيان الرسمي، اختيار تصاميم حديثة تنسجم مع الهوية التربوية والوطنية، وتحقق توازناً بين الجوانب الجمالية والوظيفية.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: أين نتائج هذه المسابقة؟ ولماذا تبقى وزارة التربية صامتة حتى الآن، رغم أن التصاميم الفائزة كان من المفترض أن تُعتمد كنماذج رسمية للباس المدرسي؟
هذا الصمت هو الذي فتح الباب على مصراعيه للشائعات والوثائق المزيفة التي اجتاحت منصات التواصل الاجتماعي، وأربكت السوق وأرهقت الأسر.
إن ما يحدث ليس مجرد تأخير إداري يمكن تبريره، بل هو تعطيل مقصود أو غير مقصود لحياة مئات الآلاف من السوريين، فالمشاغل معطلة، والعمال بلا عمل، والأسر في حيرة، والمدارس على الأبواب، وكل ذلك بسبب «شائعة» كان في وسع الوزارة أن تضع حداً لها بكلمة واحدة، بنفي أو تأكيد، في بيان رسمي واضح لا يحتمل التأويل.
فعلى وزارة التربية أن تتحمل مسؤولياتها تجاه المواطن، وأن تدرك أن الأمر لا يتعلق بلباس مدرسي فقط، بل بقوت عائلات ومستقبل أطفال وأمان معيشي لآلاف الأسر.
فإما أن تعلن فوراً عن خطة واضحة للتغيير، تضمن عدم خسارة أحد، مع مهلة زمنية مناسبة تسمح للمشاغل والأسر بالتكيف، وإما أن تنفي الشائعة بشكل قاطع، لتسمح للمشاغل باستئناف عملها وللأسر بشراء احتياجات أبنائها باطمئنان.
فالصمت في هذه الحالة ليس حياداً، بل هو تواطؤ في تعطيل مصالح المواطنين وإهدار مواردهم، والوقت لم يعد يحتمل المزيد من التلكؤ، فالسادس من أيلول بات أقرب مما نتصور، والطلاب وذووهم ينتظرون حسماً، لا وعوداً ولا تسويفاً.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1291
منية سليمان