«الاكتفاء الذاتي» من القمح... الفلاح بين «الشكر» الرسمي ومستحقات التعب
سلمى صلاح سلمى صلاح

«الاكتفاء الذاتي» من القمح... الفلاح بين «الشكر» الرسمي ومستحقات التعب

رغم التفاؤل الذي يحمله إعلان المؤسسة العامة للحبوب تحقيقَ الاكتفاء الذاتي من القمح، لكنه يظل، في جوهره، انعكاساً لتقلبات الطبيعة أكثر من كونه تتويجاً لاستراتيجية زراعية محكمة.

فالقفزة النوعية في الإنتاج من 934 ألف طن عام 2025، إلى أكثر من 2,7 مليون طن في 2026 هي، في المقام الأول، ابنة موسم مطري استثنائي، وليست نتاجاً لسياسات حكومية ثابتة، رغم التصريحات الرسمية القائلة بأن هذا الإنجاز «يعكس نجاح الجهود المبذولة لتعزيز الأمن الغذائي والاعتماد على الإنتاج المحلي».
فيما يبقى الحديث عن «الاكتفاء الذاتي» نسبياً. فالاحتياج السنوي المقدر بنحو 2,55 مليون طن هو للاستهلاك الأساسي. لكن أي خلل في توزيع هذا المحصول وتخزينه، أو ارتفاع الطلب، أو حاجة لبعض الأصناف المستوردة (كالقمح الطري للصناعات الغذائية والمخبوزات)، سيبقي البلاد في دائرة الاستيراد.


هشاشة النموذج الحالي


قبل أن تعلو أصوات التهليل والتبريك لا بد من وضع النقاط على الحروف؛ فأية قراءة موضوعية للأرقام تكشف أن هذا «الإنجاز» هش وقابل للزوال. فالاعتراف الرسمي نفسه يشير إلى أن «الهطولات المطرية انعكست إيجاباً على إنتاجية المحصول»، وأن عودة الأراضي في المنطقة الشرقية إلى الإنتاج كانت عاملاً مساعداً.
والخطر الأكبر يكمن في غياب خطة استراتيجية واضحة للموسم القادم. والسؤال الذي يفرض نفسه هو: هل لدى الحكومة خطة بديلة لمواجهة موسم جفاف محتمل؟
خاصة وأن «الفائض» المقدر بنحو 150 ألف طن لا يكفي إلا لتغطية استهلاك بضعة أسابيع. ويصبح الاعتماد على «منّة المطر» أبعد ما يكون عن استراتيجية، وأقرب إلى رهان محفوف بالمخاطر.


شكراً لا تسد الرمق


بينما كانت التصريحات الرسمية تتزاحم لشكر الفلاحين، كان الفلاح نفسه يبحث عن لقمة عيشه ويحسب تكاليف موسمه. وقد شكرت الحكومة الفلاح، وهذا حقه، ولكن، هل يكفي الشكر لسد رمق من أنبت المحصول بيديه؟
فبدلاً من صرف مستحقات الفلاحين دفعة واحدة، اعتمدت المؤسسة السورية للحبوب نظام «تقسيط المستحقات» أو الدفعات، فيما لا يزال عدد كبير من الفلاحين ينتظر مستحقاته.
وإذا ما غصنا في التفاصيل نجد أن الفلاح يعاني من:
- شح المحروقات اللازمة للري والحصاد والنقل.
- ارتفاع تكاليف الأسمدة والبذار.
- غياب الحصادات في أوقات الذروة.
- تقادم الآليات الزراعية.
والأجدى من الشكر الرسمي، بل والواجب، هو الإسراع في تسديد كامل قيمة المحصول للفلاحين، وتأمين مستلزمات الإنتاج للموسم القادم، وتقديم حوافز حقيقية تشجع المزارعين على الاستمرار في زراعة القمح. وإلا، فمع بداية الموسم القادم، قد نجد أن الفلاح قد هجر أرضه، ولا شكر ينفع حينها.


ماذا بعد الموسم الاستثنائي؟


الوفرة في هذا الموسم هي نقطة انطلاق واختبار حقيقي للإرادة السياسية، وليست نهاية المطاف. فالموسم المطري الاستثنائي منح البلاد فرصة للتنفس، لكن المخاطرة الحقيقية تكمن في التعامل مع هذه الفرصة كإنجاز نهائي، وتجاهل بناء نظام زراعي قادر على الصمود.
فمستقبل الأمن الغذائي لن يتحدد بمواسم مطيرة، إنما بقدرة الدولة على بناء منظومة دعم حقيقي ومستدام للفلاح، ووضع استراتيجية زراعية طويلة الأمد لا تعتمد على الصدفة، بل على التخطيط والعلم والدعم. وإلا فإننا سنظل ننتظر «منّة المطر» كل عام، ونحن نعي
تماماً أنها قد لا تأتي!

معلومات إضافية

العدد رقم:
1291