«هبات» البنك الدولي و«مجانية» المنح... ما الذي يهمّ السوريين حقاً؟
سارة جمال سارة جمال

«هبات» البنك الدولي و«مجانية» المنح... ما الذي يهمّ السوريين حقاً؟

لم يعد مستغرباً أن تخرج تصريحات برّاقة يبدو معها وكأننا «أعدنا اختراع العجلة»، وهذه المرة كان الدور على وزير المالية، محمد يسر برنية، الذي طمأن السوريين بأن منح البنك الدولي التي وصلت إلى 491 مليون دولار هي «مجانية بالكامل، ولا تترتب عليها أيّ أعباء على الخزينة العامة».

واعتبر هذه المنح دليلاً على «الثقة الدولية»، وكأن ثقة المؤسسات المالية الدولية هي عصا موسى التي ستقلب واقعاً يعجّ بالفقر والدمار.


مجانية... لكن لمن؟


الوزارة محقة؛ فهذه المنح لا تُسجّل كديون على الموازنة العامة، ولا يحضر «محصّل أموال البنك الدولي» إلى باب الخزينة ليطالب بالأقساط. هذه هي «أعباء الخزينة». لكن نسي الوزير أن يخبرنا عن «أعباء المواطن».
فالمنح الدولية في أدبيات البنك الدولي ليست أكياس طحين توزع بالمجان؛ إنها أموال مشروطة تفرض على الدولة «إصلاحات هيكلية» تُترجم في الواقع السوري إلى ثلاثية مدمّرة:
- رفع الدعم عن المحروقات والكهرباء (الذي تزامن مع المنح).
- تسريع وتيرة الخصخصة التي تقضي على ما تبقى من القطاع العام وأصول الدولة.
- فتح الأسواق أمام فيض من المستوردات.
فالمواطن السوري، الذي يقبع أكثر من 90% منه تحت خط الفقر، لم يرَ من هذه المنح سوى ارتفاع فاتورة الكهرباء رغم انقطاعها، وارتفاع سعر الخبز رغم تقليصه. إذاً، المنحة «مجانية» بالنسبة للخزينة، وليست مجانية بالنسبة لجيوب المفقرين التي تمتصها سياسات التقشف المرتبطة بالمؤسسات الدولية.


منحة الكهرباء مثالاً


بحسب وثائق تقييم المشروع (PAD) والتقارير المالية الرسمية الصادرة عن البنك الدولي لتنفيذ «المشروع الطارئ للكهرباء في سورية» يُقسّم مبلغ المنحة (146 مليون دولار) كالآتي:
الحصة الأكبر 107 مليون (73%) تذهب إلى شراء محولات ومعدات من شركات أجنبية، وهي عملياً ضخ سيولة للخارج، ولا يُرى منها ليرة واحدة في السوق المحلي.
ورغم أن المشروع يهدف إلى إعادة تأهيل البنية التحتية وخطوط النقل (25 مليون) لكن العائد المباشر على المواطن يظل غير ملموس، خاصة مع عودة ساعات التقنين، وانقطاع الكهرباء لساعات في عدد كبير من المناطق، واستمرار سرقة الكابلات والمحولات، والأهم الارتفاع المهول في أسعار الفواتير.
5 ملايين دولار (3,5%) تذهب كأجور للخبراء والاستشاريين الدوليين والمحليين، وهي أموال تُدفع مقابل تقارير روتينية، بعضها ينام على الرفوف.
9 ملايين دولار (6,5%) تخصص لإدارة المشروع؛ رواتب الموظفين، وإيجار المكاتب، والمصاريف اللوجستية.
كما يقتطع البنك الدولي رسوماً إدارية تتراوح بين 2 و7% لتغطية تكاليف الإشراف والمتابعة والتدقيق المالي.
هذا يعني أن أقل من 10% من قيمة المنحة تذهب فعلياً لتحسين شبكة الكهرباء، أما الباقي فيُستهلك في دورة اقتصادية خارجية. ما يجعلها أقرب إلى صفقة معدات تلبس ثوب الإغاثة الإنسانية.


ماذا رأى المواطن؟


لنخرج من أرقام البنك الدولي الجافة ونرى؛ ماذا رأى السوري من هذه المنح التي بلغت نصف مليار دولار؟
لقد رأى سوقاً سوداء تلتهم مدخراته، وانهياراً نقدياً يجعل راتبه لا يكفي 3 أيام، وبطالة تقضم مستقبل الشباب لأن المنح لم تولّد مشروعاً إنتاجياً واحداً، ورأى أسواقاً تغرق بالبضائع الأجنبية.
المواطن بحاجة إلى سياسات تنموية تعيد بناء الاقتصاد من الداخل، وتدعم الإنتاج المحلي، وتوفر فرص عمل، وتحمي الفقراء من موجات الغلاء. فالمنح الدولية مهما كانت «مجانية» لا يمكنها أن تكون بديلاً عن مشروع وطني تنموي شامل. ومهما كانت التصريحات الرسمية مغرية، فإن اختبارها الحقيقي يبقى في حياة المواطن، لا في أرقام المنح.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1291