دمشق لا تعاني من الجفاف فقط.. إنها تعاني من غياب الحل!

دمشق لا تعاني من الجفاف فقط.. إنها تعاني من غياب الحل!

في دمشق، لم يعد السؤال متى تأتي المياه؟
السؤال الذي بات يفرض نفسه أكثر قسوة هو: إلى متى سيبقى التقنين هو الحل؟

الجفاف وشح المياه ليسا خبراً جديداً، ولا أزمة ظهرت فجأة هذا الصيف. الجميع يعرف منذ سنوات أن موارد دمشق المائية محدودة، وأن المصادر التي تعتمد عليها العاصمة لا تتناسب مع مدينة اتسعت وازداد عدد سكانها وارتفعت حاجاتها. ومع ذلك، بقيت المعالجة في معظم الأحيان تدور حول الشيء نفسه:
عندما تقل المياه، نزيد ساعات القطع. وهنا تكمن المشكلة الحقيقية.
الجفاف قد يكون قدراً، أما أن تبقى مدينة بحجم دمشق بلا هامش أمان مائي حقيقي، فهذه مشكلة إدارة وتخطيط واستثمار مؤجلة منذ سنوات.
التقنين يفترض أن يكون إجراءً اضطرارياً، محدوداً بالزمن والمكان، إلى أن تتجاوز المدينة ظرفاً استثنائياً. لكنه في دمشق لم يعد استثناءً. صار جزءاً من الحياة اليومية، ويتسع كلما ضاقت الموارد.
يومُ وصلٍ، مقابل يومين من القطع قد يبدو، بالمقارنة مع مناطق في الريف القريب تنقطع عنها المياه أياماً متتالية، برنامجاً مريحاً نسبياً. لكن هذه المقارنة لا تجعل الوضع مقبولاً، بل تكشف اتساع المشكلة. فالمياه التي تصل إلى دمشق نفسها لا تصل بالكمية، أو الانتظام الذي يسمح للسكان بالاعتماد عليها، بينما يبقى البديل هو: الخزانات والمضخات والصهاريج.
وهذه البدائل ليست مجانية. فالصهريج الذي يُفترض أن يكون حلاً استثنائياً أصبح بالنسبة إلى بعض الأسر جزءاً من ميزانية المعيشة. والمشكلة أن الصهاريج ليست متاحة دائماً، وهي قليلة قياساً بحجم الطلب، وكلفتها مرتفعة. ومن لا يستطيع شراء صهريج ينتظر الماء. ومن يستطيع، يشتريه ويخزنه.
وهكذا نشأت سوق كاملة (خزانات، مضخات، صهاريج، نقل وتعبئة وصيانة) حول أزمة يفترض أن تكون الدولة قادرة على إدارتها.
المواطن لا يدفع ثمن المياه فقط، يدفع أيضاً ثمن غيابها. وهذا هو الجانب الأكثر ظلماً في الأزمة. فكلما طال الانقطاع، أصبحت القدرة على تأمين المياه مرتبطة بالدخل. الغني يستطيع أن يشتري خزاناً أكبر وصهريجاً إضافياً، بينما يبقى محدود الدخل أسير ساعات الوصل.
الأخطر من ذلك كله، أن الاعتياد بدأ يطغى على الإحساس بأن هناك مشكلة ينبغي حلها. أصبح الناس يتعاملون مع جدول القطع والوصل كما يتعاملون مع مواعيد العمل والمدرسة. وكأن انقطاع المياه يومين أو ثلاثة، أصبح أمراً طبيعياً في عاصمة يفترض أن تكون قادرة على تأمين الحد الأدنى من احتياجات سكانها.
لا أحد يطلب إلغاء التقنين في مواجهة الجفاف. المطلوب شيء أكثر واقعية، ألّا يتحول التقنين إلى سياسة دائمة.
دمشق بحاجة إلى مشروع أمن مائي، لا إلى جدول تقنين جديد كلما انخفض منسوب المياه. بحاجة إلى تنويع مصادرها، وزيادة التخزين، وتقليل الهدر، وتحديث الشبكات، واستثمار جدي وطويل الأمد في موارد بديلة، بحيث لا تبقى العاصمة رهينة عدد محدود من المصادر.
لأن المشكلة في النهاية ليست أن دمشق عطشى. المشكلة أن العطش أصبح نظاماً دائماً، فيما ما زال الحل يُدار بعقلية الطوارئ.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1291