الأرقام الرسمية قناع لواقع مرير... والرغيف أسير تفاوت الجودة!
في النصف الأول من 2026، أعلنت المؤسسة السورية للمخابز عن إنجاز أكثر من 100 مشروع لتأهيل وتطوير المخابز العامة، وعودة 38 مخبزاً إلى الخدمة في عدة محافظات. أرقام تبدو «مبهرة» في سياقها الرسمي، تترافق مع تصريحات تؤكد «تحسين جودة الرغيف وزيادة الكميات المنتجة».
لكنها تظل أرقاماً جامدة، تتعالى عن هموم المواطن الذي لا يزال يعاني تفاوتاً صارخاً في جودة الخبز، ويتجرع مرارة شكاوى لا تنتهي.
فجوة لا تُسد
تشير تقارير وشهادات ميدانية في دمشق وريفها خلال الشهر الحالي إلى تراجع مريع في جودة الخبز «المدعوم»، حيث أصبح العثور على «خيوط بلاستيكية» و«قطع صلبة» داخل الأرغفة أمراً عادياً لا يثير الدهشة.
ففي كشكول، تفاقمت الشكاوى من رداءة الطحين المخزن لفترات طويلة، ما ينعكس سلباً على خصائص العجين ويؤدي إلى إنتاج أرغفة سريعة التفتت وغير مكتملة النضج كما في جديدة عرطوز والمزة.
كذلك بينت تقارير سابقة وجود ديدان حية في الطحين المنتج في مطحنة المحلج بدير الزور، بعد 5 أشهر فقط من إعادة تشغيلها، والشكاوى تتكرر في المحافظة حول سوء جودة الخبز.
أما في بلدة نصيب بدرعا، تعدت ذلك إلى ظهور أعقاب سجائر وحشرات داخل الطحين.
فأين هي فرق «الجودة» التي تتحدث عنها المؤسسة؟
وأين هي الجولات الميدانية التي تؤكد أنها تُنظِّم ضبوطاً بحق المخالفين؟
الحقيقة أن هذه الجولات «إن وجدت» تبدو شكلية ومحدودة، تأتي وتدوّن الملاحظات وتغادر، ليعود العمل بعدها بالأساليب ذاتها «خلط الطحين الرديء بالجيد، والتلاعب بالوزن، والغش في المكونات».
الفساد ضيف ثقيل على مائدة الخبز
المشكلة أعمق من أعطال فنية أو طحين رديء، إنها فساد ممنهج يكشفه الواقع يومياً، ففي شباط الماضي، تم الكشف عن اختلاسات مالية تجاوزت 2,6 مليار ليرة في مخبز واحد فقط، شملت التلاعب بالكشوف وعدم تطابق كميات المواد التموينية والنفطية المسلّمة مع السجلات.
الأرقام الرسمية ذاتها تدين الواقع، فخلال الأشهر العشرة الأولى من2025، سجلت وزارة الاقتصاد 2933 مخالفة، نتج عنها ترقين ما لا يقل عن 51 فرناً، تنوعت بين التصرف غير المشروع بالدقيق التمويني، ونقص الوزن، والبيع بسعر زائد، وإنقاص عدد الأرغفة، ليرتفع عدد المخالفات خلال النصف الأول من 2026 إلى 61,447 مخالفة، إنه وباء إداري يضرب القطاع على امتداد الخارطة السورية.
حلٌّ يعمّق الأزمة
أصدرت وزارة الاقتصاد والصناعة في 29 حزيران قراراً يسمح بإحداث وترخيص مخابز خاصة، كحل لتغطية الاحتياج، لكن أليس هذا دفعاً غير مباشر للمواطنين نحو المخابز الخاصة، حيث سعر الربطة أغلى، لكن الجودة أفضل؟
فالمواطن الذي يدفع 40 ل.س لربطة الخبز المدعوم، يجد نفسه مضطراً لدفع المزيد في المخابز الخاصة بحثاً عن رغيف «صالح للأكل».
وهكذا، تتحول أزمة جودة الخبز في المخابز العامة إلى ريع إضافي للمخابز الخاصة، على حساب جيب المواطن المفقر.
بالمحصلة، إن ما تروّجه المؤسسة السورية للمخابز من أرقام حول مشاريع التأهيل والصيانة، مهما بلغت لا تُنكر «أهميتها» لكن تبقى مجرد حبر على ورق ما لم تنعكس على حياة المواطن بنتائج ملموسة.
فالمشكلة ليست في عدد المشاريع، بل في جوهرها، وفي نزاهة إدارتها، وفي رقابة حقيقية تبدأ من جودة الطحين وتنتهي عند كوة البيع.
يحتاج القطاع إلى منهجية عمل متكاملة، تبدأ بتأهيل البنية التحتية وصيانة دورية لخطوط الإنتاج، مروراً بتأمين مستدام لمستلزمات الإنتاج بالمواصفة المطلوبة، وصولاً إلى مكافحة الفساد عبر رقابة استباقية ومتابعة جدية لكل سلسلة الإنتاج، أما التغني بالأرقام والاحتفاء بالمشاريع من دون نتائج حقيقية، فهو استهانة بعقل المواطن وجوعه.
رغيف الخبز في سورية ليس مجرد مادة غذائية؛ إنه مرآة الثقة بين المواطن والدولة، وطالما ظلت هذه المرآة مشوّهة، سيبقى المواطن يدفع الثمن غالياً، ليس من جيبه فقط، بل من كرامته وأمنه الغذائي.
فإلى متى ستظل الأرقام الرسمية قناعاً يخفي وجوه الفساد؟ وإلى متى سيظل الخبز السوري أسير تفاوت يفضح عجز الإدارة وهشاشة الرقابة؟
الأسئلة تبقى معلقة، والمواطن ينتظر إجابات على أرض الواقع، لا في بيانات إعلامية تذوب كما يذوب الرغيف الرديء في أفواه المفقرين.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1291
رهف ونوس