دمشق تختنق بالقمامة... الفقر يصبح ذريعة للإهمال
لم تعد القمامة في دمشق مجرد مشكلة نظافة يمكن تبريرها بنقص الإمكانات أو الضغط على البلديات. المشهد تجاوز ذلك بكثير. أكوام النفايات التي تتراكم في الشوارع والحارات، وتبقى أحياناً لفترات طويلة، تقول بوضوح إن هناك خللاً في إدارة واحدة من أبسط الخدمات التي يفترض أن تصل إلى المواطن بلا تمييز؛ أن تُرفع قمامته من أمام منزله.
والأشد فداحة أن هذا الخلل يبدو أكثر قسوة كلما اتجهنا نحو الأحياء الفقيرة والمهمشة.
خذوا الحجر الأسود مثالاً. هناك، لا تبدو مشكلة النفايات مجرد مشهد عابر في شارع أو زاوية، بل جزء من واقع خدمي ثقيل تعاني منه منطقة دفعت أصلاً أثماناً هائلة خلال سنوات الحرب والتهجير والفقر. حين تتراكم القمامة في منطقة بهذه الهشاشة، فإن الرسالة التي تصل إلى سكانها قاسية: إن ما تعانون منه يمكن أن يُترك خلف الأولويات.
وفي نهر عيشة تتكرر الصورة بأشكال مختلفة؛ نفايات في الأزقة والأطراف، ومشهد يومي يذكر بأن الخدمات لا تُقاس بما يُقال في المكاتب، وإنما بما يراه الناس أمام أبواب بيوتهم.
ثم نصل إلى الحارات المرتفعة وصعبة الوصول في ركن الدين والصالحية والمهاجرين. هنا لا يكفي أن تقول الجهات المسؤولة إن جمع النفايات يتم وفق الإمكانات المتاحة. المواطن الذي يعيش في زقاق مرتفع أو شارع ضيق ليس مواطناً من الدرجة الثانية، ولا ينبغي أن يتحول موقع منزله إلى مبرر لحرمانه من الخدمة.
إذا كانت شاحنة القمامة لا تستطيع الوصول إلى بعض الحارات، فالسؤال ليس لماذا يسكن الناس هناك؛ السؤال هو: أين الحل الهندسي والتنظيمي الذي يفترض أن توفره الجهة المسؤولة؟
هل المطلوب من سكان الحارات المرتفعة أن يحملوا نفاياتهم إلى أسفل الجبل؟ وهل المطلوب من سكان الأحياء المهمشة أن يتعايشوا مع الروائح والحشرات ومشهد الأكياس الممزقة لأنهم يعيشون خارج المناطق الأكثر قدرة على إيصال أصواتها؟
هذه ليست مسألة جمالية. فالقمامة المتراكمة هي إهانة يومية للمدينة وللسكان معاً.
والمفارقة أن دمشق لا تعاني من نقص في الخطابات عن تحسين الخدمات، لكنها تعاني من نقص واضح في النتائج التي يلمسها الناس في حياتهم اليومية. يمكن إصدار البيانات، ويمكن الحديث عن الخطط، ويمكن الإعلان عن حملات نظافة، لكن كل ذلك يفقد معناه عندما يبقى المواطن أمام كومة نفايات يعرف أنها ستعود بعد أيام، وربما قبل أن تُرفع أصلاً.
والأخطر أن المشكلة ليست دمشق وحدها. من الحجر الأسود إلى أطراف العاصمة، ومن الأحياء الشعبية إلى مناطق أخرى في المحافظات، تتكرر الشكوى ذاتها بدرجات مختلفة؛ النفايات موجودة، والخدمة متعثرة، والمسؤولية موزعة بين جهات كثيرة بحيث يكاد لا يتحملها أحد.
وهنا تحديدًا يجب أن يتوقف التبرير.
نقص الوقود؟ ابحثوا عن حل.
نقص الآليات؟ عالجوا النقص.
صعوبة الوصول إلى الحارات المرتفعة؟ ابتكروا نظاماً يناسب طبيعة المكان.
قلة العمال؟ أعيدوا تنظيم الموارد.
لكن أن تصبح كل مشكلة سبباً لعدم تقديم الخدمة، فهذا يعني أن الإدارة تحولت من البحث عن الحلول إلى البحث عن الأعذار.
النظافة ليست رفاهية للأحياء الغنية. وليست خدمة إضافية يمكن تقليصها عندما تضيق الموارد. هي حق أساسي، وخصوصاً في المناطق التي يعيش سكانها أصلاً تحت ضغط الفقر والبطالة وتراجع الخدمات.
والتمييز غير المعلن في مستوى النظافة بين حي وآخر أخطر مما يبدو. لأن المدينة العادلة لا تقول للفقراء: أنتم تتحملون القمامة لأنكم فقراء.
لكن هذا هو الانطباع الذي يتركه المشهد عندما تكون الأحياء الأكثر هشاشة هي الأكثر تعرضاً لتراكم النفايات.
المطلوب اليوم ليس حملة تصويرية لتنظيف شارع ثم تركه يعود إلى حالته السابقة. المطلوب منظومة حقيقية للمساءلة؛ جدول جمع معلن، حاويات كافية، وسائل مناسبة للأحياء الضيقة والمرتفعة، مراقبة يومية، آلية واضحة لتلقي شكاوى السكان، ومسؤول معروف يتحمل مسؤولية التقصير عندما تفشل الخدمة.
لأن السؤال لم يعد: هل توجد قمامة في دمشق؟
السؤال الأكثر إحراجاً هو: كيف أصبحت أكوام القمامة جزءاً من المشهد الطبيعي للعاصمة، ومنذ متى أصبح المواطن مطالباً بالتعايش مع القذارة بدل أن يطالب بحقه في النظافة؟
دمشق لا تختنق من القمامة وحدها. إنها تختنق من اللا مبالاة، ومن غياب المحاسبة، ومن إدارة تتعامل مع أزمة يومية كأنها تفصيل صغير يمكن تأجيله.
وإذا كانت القمامة تصل إلى أبواب الفقراء قبل أن تصل إليهم الخدمات، فالمشكلة لم تعد في الشوارع وحدها. المشكلة في الطريقة التي تُدار بها المدينة.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1291