الإنترنت في سورية... المواطن يدفع أكثر ويحصل على أقل

الإنترنت في سورية... المواطن يدفع أكثر ويحصل على أقل

لم يعد سوء خدمة الإنترنت في سورية مجرد مشكلة تقنية يمكن التعامل معها باعتبارها عطلاً عابراً أو بطئاً مؤقتاً. المسألة أصبحت معاناة يومية تستنزف المواطن في ماله ووقته وجهده وأعصابه، وتعطل أعماله ومصالحه، فيما يبدو أن الجهات المعنية عاجزة عن تقديم حل حقيقي أو غير مكترثة بحجم المشكلة وتأثيرها.

المواطن اليوم يدفع قيمة اشتراك الإنترنت عبر البوابات، ويدفع مبالغ مرتفعة مقابل باقات الإنترنت عبر شركات الخليوي، ومع ذلك لا يحصل على الخدمة التي دفع ثمنها. بطء شديد، تقطع متكرر، انقطاعات، ضعف في السرعة، وصعوبة في إنجاز أبسط المهام التي أصبحت تعتمد على الإنترنت بشكل كامل.
المشكلة الأكثر استفزازاً أن ارتفاع الأسعار لم يترافق مع تحسن في جودة الخدمة، بل يبدو أن المواطن يدفع أكثر ليحصل على خدمة أسوأ. فأي منطق هذا؟ وكيف يمكن مطالبة المواطن بتحمل أعباء اقتصادية متزايدة، ثم تقديم خدمة لا توازي ما يدفعه لقاءها؟
المسألة لا تتعلق بمن يريد مشاهدة فيديو أو تصفح مواقع التواصل فحسب. الإنترنت أصبح جزءاً أساسياً من العمل والتعليم والتجارة والمراسلات والخدمات المصرفية والإدارية والتواصل المهني. وعندما يتعطل الإنترنت، تتعطل معه أعمال ومصالح حقيقية، ويخسر المواطن ساعات من يومه، وربما يخسر أموالاً وفرصاً لا يمكن تعويضها.
وهنا يظهر وجه آخر للمشكلة؛ استنزاف المواطن نفسياً. أن تجلس أمام جهازك وتحاول إنجاز عمل بسيط، ثم تنتظر تحميل صفحة، أو ينقطع الاتصال أثناء اجتماع أو عملية إلكترونية، أو تعيد المحاولة مرات ومرات، فهذا ليس مجرد بطء في الشبكة؛ إنه استنزاف للأعصاب والوقت والطاقة.
المواطن لا يطلب خدمة مجانية. هو يدفع، وفي بعض الحالات يدفع مبالغ ليست قليلة على الإطلاق. ومن حقه أن يسأل: مقابل ماذا ندفع؟ وأين مستوى الخدمة الذي يفترض أن نحصل عليه؟ ومن المسؤول عن هذا التدهور المستمر؟
والأكثر إثارة للاستياء هو غياب الشعور بوجود جهة رقابية تضع هذه المشكلة في مقدمة أولوياتها. فالمشترك لا يريد تبريرات جديدة ولا أعذاراً متكررة، وإنما يريد خدمة مستقرة تتناسب مع المبالغ التي يدفعها، ويريد أن يعرف لماذا تتراجع جودة الإنترنت بينما ترتفع كلفته.
إن استمرار الوضع على هذا النحو يعني ببساطة أن المواطن يُطلب منه أن يدفع مرتين؛ مرة من جيبه، ومرة من وقته وأعصابه وجهده. يدفع ثمن الباقة أو الاشتراك، ثم يدفع ثمن البطء والانقطاع وتعطل العمل وإعادة المحاولات وضياع الوقت. وهذا أمر لا ينبغي أن يصبح طبيعياً أو مقبولاً.
على وزارة الاتصالات والجهات المسؤولة أن تتعامل مع ملف جودة الإنترنت باعتباره حقاً للمشترك ومسؤولية على عاتق الجهات المقدمة والمنظمة للخدمة، لا باعتباره شأناً ثانوياً يمكن تأجيله. المطلوب إجراءات واضحة، ومراقبة فعلية لجودة الخدمة، ومحاسبة عند التقصير، وشفافية في توضيح أسباب التدهور، والأهم أن يشعر المواطن أن هناك من يسمع شكواه ويتحمل مسؤولية إيجاد الحل.
فالمواطن الذي يدفع من دخله المحدود للحصول على الإنترنت لا يطلب ترفاً. هو يطلب خدمة يحتاجها في عمله ودراسته وحياته اليومية.
كفى استنزافاً لمال المواطن ووقته وجهده وأعصابه. إذا كانت أسعار الخدمة ترتفع، فمن حق المواطن أن يلمس معها ارتفاعاً بالجودة، لا أن يدفع أكثر ويحصل على أقل.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1291