دمشق ليست شركة استثمار... فلماذا تُدار وكأنها محفظة عقارية؟
يبدو أن محافظة دمشق لم تعد تنظر إلى المدينة باعتبارها مكانًا للعيش، ولا إلى الحدائق والمنشآت الرياضية بوصفها حقاً عاماً لسكانها، بل أصبحت تنظر إليها كأصول عقارية يمكن توظيفها كلما احتاجت إلى موارد إضافية.
هذه السياسة لم تبدأ مع قرار تعديل الصفة العمرانية لمدينة الفيحاء الرياضية، لكنها تجد فيه أحد أكثر تجلياتها وضوحاً وخطورة.
فالقرار القاضي بتعديل الصفة العمرانية للمدينة من «زراعية داخلية» إلى «مشيدات عامة» لا يقتصر على تغيير توصيف تنظيمي في المخطط، بل ينقل المدينة من فضاء كانت الأولوية فيه لحماية المساحات المفتوحة والخضراء إلى فضاء تصبح فيه الأولوية للبناء وإقامة المنشآت.
وتضمن القرار السماح بإقامة منشآت رياضية، ومدرسة رياضية، ومنشآت خدمية، إضافة إلى خدمات سياحية وترفيهية وتجارية، مع تحديد سقف لا يتجاوز 20% من مساحة المدينة لهذه الخدمات.
للوهلة الأولى قد يبدو هذا القيد مطمئناً، لكنه في الحقيقة لا يبدد المخاوف.
فالـ20% الواردة في القرار تخص الخدمات السياحية والترفيهية والتجارية فقط، ولا تشمل المنشآت الرياضية وتوابعها. أي إن معظم مساحة المدينة تبقى قابلة للبناء تحت مسمى المنشآت الرياضية أو المرافق التابعة لها. وهذا يعني أن الحديث عن قصر الاستثمار على خُمس مساحة المدينة لا يعكس الصورة الكاملة، لأن الجزء الأكبر من الأرض لم يعد محمياً من التوسع العمراني.
فالمدينة الرياضية ليست مجرد ملاعب وصالات إسمنتية، بل هي أيضاً أشجار، وحدائق، وساحات مفتوحة، ومساحات للتنزه والمشي، وفراغات عمرانية تمنح المكان قيمته البيئية والاجتماعية. وكل مبنى جديد، مهما كانت صفته، سيأتي بالضرورة على حساب هذه المساحات.
لكن الأخطر من كل ذلك هو ما يعنيه تغيير الصفة العمرانية على المدى البعيد.
فعندما كانت المدينة مصنفة «زراعية»، كان أي توسع عمراني كبير يصطدم أولاً بطبيعة التصنيف التنظيمي. أما بعد تحويلها إلى «مشيدات عامة»، فقد زال هذا القيد الأساسي. وإذا أرادت المحافظة مستقبلاً رفع نسبة الخدمات الاستثمارية، أو زيادة الارتفاعات المسموح بها، أو تعديل الضوابط التنظيمية، فإن ذلك يصبح من الناحية القانونية والتنظيمية أكثر سهولة، لأن العقبة الأكبر قد أزيلت بالفعل، وهي تغيير طبيعة استعمال الأرض.
قد لا يحدث ذلك غداً، لكنه أصبح ممكناً أكثر من أي وقت مضى.
وهنا يبرز سؤال لا يتعلق بمدينة الفيحاء وحدها، بل بطريقة إدارة دمشق بأكملها.
فمدينة الفيحاء ليست أول مساحة عامة تتعرض لضغط الاستثمار.
يكفي النظر إلى ما جرى في جبل قاسيون، حيث تحولت أجزاء منه إلى مشاريع استثمارية خاصة، وما شهدته حديقة الأمويين (حديقة تشرين) من توسع للمشاريع الاستثمارية داخل أحد أهم الفضاءات العامة في العاصمة، فضلاً عن حدائق ومساحات عامة أخرى دخلتها الاستخدامات الاستثمارية خلال السنوات الماضية.
قد تبدو كل حالة منفصلة عن الأخرى، لكن جمعها يكشف نمطاً واضحاً؛ كلما احتاجت المحافظة إلى موارد مالية، اتجهت إلى استثمار الفضاء العام بدل البحث عن بدائل لا تمس حق الناس في المدينة.
المشكلة هنا ليست في وجود استثمار من حيث المبدأ. فمن الطبيعي أن تسعى أي إدارة إلى تنمية مواردها. لكن السؤال هو: لماذا يأتي الاستثمار دائماً على حساب ما هو مشترك بين الناس؟
لماذا لا تكون الحدائق والفضاءات العامة والمنشآت الرياضية خطوطاً حمراء لا يجوز المساس بها؟
ولماذا تتحول المرافق التي أُنشئت لخدمة المواطنين إلى مشاريع يُقاس نجاحها بحجم الإيرادات التي تحققها؟
الأخطر أن هذه السياسة لا تغير شكل المدينة فحسب، بل تغير طبيعتها الاجتماعية.
فالفضاءات العامة هي الملاذ الأخير لأصحاب الدخل المحدود.
العائلة التي لا تستطيع ارتياد المنتجعات الخاصة تجد في المدينة الرياضية متنفساً مجانياً.
الطفل الذي لا يملك اشتراكاً في نادٍ خاص يجد ملعباً عاماً.
المسن الذي لا يستطيع إنفاق المال في المقاهي يجد مكاناً يجلس فيه تحت الأشجار.
هذه هي وظيفة المدينة.
لكن عندما تتحول هذه الأماكن إلى مشاريع استثمارية، فإن الإقصاء يبدأ بصمت.
لن يُمنع أحد رسمياً من الدخول، لكن طبيعة المكان ستتغير. وستزداد الأنشطة التي تتطلب الإنفاق، وتتراجع المساحات المجانية، ويتحول الفضاء العام تدريجياً إلى فضاء استهلاكي. وهكذا يُدفع أصحاب الدخل المحدود إلى خارج المدينة دون قرار صريح، لأن المدينة نفسها تصبح مصممة لمن يستطيع الدفع.
إن أخطر ما في هذا النهج أنه يحول مفهوم النفع العام إلى مفهوم ثانوي، ويجعل العائد المالي هو المعيار الأول في إدارة المدينة.
لكن وظيفة المحافظة ليست أن تكون مطوراً عقارياً، ولا أن تدير دمشق بمنطق شركة تبحث عن تعظيم الأرباح.
وظيفتها الأساسية حماية المصلحة العامة، وحماية ما تبقى من المساحات الخضراء، وصون المرافق التي يستفيد منها جميع السكان، لا تحويلها تدريجياً إلى فرص استثمارية.
دمشق اليوم ليست مدينة تعاني من فائض في الحدائق أو الملاعب أو المساحات المفتوحة، بل تعاني من عجز مزمن فيها. ولذلك فإن كل متر أخضر يُبنى عليه، وكل فضاء عام يفقد وظيفته الأصلية، يمثل خسارة لا يمكن تعويضها.
إن مدينة الفيحاء الرياضية لم تُنشأ لتكون مجمعاً تجارياً، ولا وجهة استهلاكية، ولا مشروعاً لتحقيق الإيرادات. أُنشئت لتكون مدينة للرياضة، وفضاءً عاماً لجميع أبناء دمشق، بغض النظر عن مستوى دخولهم.
أما إذا استمرت سياسة تحويل الفضاءات العامة إلى مشاريع استثمارية، فإن دمشق لن تخسر أشجارها وحدها، بل ستخسر شيئاً أكثر قيمة؛ حق سكانها، ولا سيما الفقراء، في مدينتهم.
فحين تصبح الحديقة مشروعاً، والمدينة الرياضية فرصة استثمارية، وجبل قاسيون منصة للمشاريع الخاصة، فإن السؤال لم يعد كم ربحت المحافظة، بل: لمن بقيت دمشق؟
إن المدن لا تموت حين تُهدم مبانيها، بل حين تُنتزع من سكانها. وكل قرار يحول فضاءً عاماً إلى فرصة استثمارية، يقتطع جزءاً من حق الدمشقيين في مدينتهم. وحين يصبح الاستثمار هو اللغة الوحيدة التي تتحدث بها المحافظة، فلن يبقى السؤال: كم ربحت دمشق؟ بل: من الذي بقي يملك حق العيش فيها؟
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1287