التقنين يعود إلى 12 ساعة يومياً... الكهرباء تنسحب من حياة السوريين والخدمات تدخل دائرة الشلل
بعد أشهر من التحسن النسبي، عاد التقنين الكهربائي ليطرق أبواب السوريين بقسوة أكبر. فمع وصول ساعات الانقطاع في العديد من المناطق إلى نحو 12 ساعة يومياً، لم يعد الأمر مجرد برنامج لتوزيع الكهرباء، بل أصبح برنامجاً لتعطيل الحياة بكل تفاصيلها، من المنازل إلى الأسواق، ومن الورش والمحال التجارية إلى المؤسسات الحكومية والصرافات الآلية.
في ذروة الصيف، حين تصبح الكهرباء حاجة لا رفاهية، يجد المواطن نفسه أمام ساعات طويلة من العتمة والحرارة الخانقة. برادات تتوقف، أغذية تتلف، مياه الشرب تفقد برودتها، والمراوح والمكيفات تتحول إلى أجهزة بلا قيمة. أما الأطفال وكبار السن والمرضى، فهم أول من يدفع ثمن هذا الواقع، في ظل درجات حرارة مرتفعة تجعل ساعات الانقطاع أكثر قسوة من أي وقت آخر.
ولأن الكهرباء غابت، فقد حضرت البدائل... لكن بأسعار تفوق قدرة معظم الأسر. فقد عاد سوق البطاريات والألواح الشمسية وأجهزة الإنفرتر إلى الانتعاش مع ارتفاع الطلب عليها، لتعاود أسعارها الارتفاع هي الأخرى، وكأن التقنين لا يكتفي بإطفاء الأنوار، بل يفتح باباً جديداً لاستنزاف دخول المواطنين، الذين يجدون أنفسهم بين خيارين أحلاهما مر؛ تحمل الانقطاع الطويل أو دفع مبالغ لا يملكونها للحصول على ساعات إضافية من الكهرباء.
ولا تقف الخسائر عند حدود المنازل، بل تمتد إلى كل نشاط اقتصادي يعتمد على التيار الكهربائي. فالمحال التجارية تخفض ساعات عملها، والورش الإنتاجية تتوقف قسراً، والمطاعم ومحال المواد الغذائية تواجه صعوبة في حفظ منتجاتها، بينما ترتفع تكاليف التشغيل بسبب الاعتماد على المولدات أو الطاقة البديلة، لتنعكس هذه التكاليف في نهاية المطاف على أسعار السلع والخدمات، ويدفعها المستهلك مرة أخرى.
أما القطاع الخدمي، فهو الآخر لم يسلم من تداعيات عودة التقنين الطويل. فالدوائر الرسمية التي تقدم خدمات مباشرة للمواطنين تعود إلى العمل المتقطع، وتتوقف المعاملات مع كل انقطاع للتيار الكهربائي، لتزداد ساعات الانتظار وتتراكم المراجعات، بينما يتحمل المواطن وحده كلفة الوقت الضائع والتنقل المتكرر لإنجاز أبسط معاملة.
وتبقى الصرافات الآلية المثال الأوضح على غياب الجاهزية. فمع كل انقطاع للكهرباء، تتوقف الصرافات عن العمل مجدداً، في ظل غياب منظومات طاقة بديلة تضمن استمرار تشغيلها. والنتيجة طوابير انتظار، وتنقل بين صراف وآخر، وعجز كثيرين عن الحصول على رواتبهم أو مستحقاتهم المالية في الوقت الذي يحتاجون إليها، لتتحول عملية قبض الراتب إلى رحلة يومية غير مضمونة النتائج.
المفارقة أن الحديث عن التحول الرقمي وتسهيل الخدمات يصطدم بأبسط مقومات التشغيل، وهي الكهرباء. فما جدوى الخدمات الإلكترونية إذا كانت الأجهزة متوقفة؟ وما جدوى الصرافات إذا كانت تنطفئ مع أول ساعة تقنين؟ وكيف يمكن للمواطن أن ينجز معاملاته أو يدير أعماله في ظل برنامج انقطاع يمتد إلى نصف اليوم؟
اليوم، لا يطالب المواطن برفاهية التغذية الكهربائية المستمرة، بل بالحد الأدنى الذي يضمن استمرار حياته وخدماته الأساسية. كما يطالب بإيجاد بدائل تشغيلية للمرافق الحيوية، وفي مقدمتها الصرافات الآلية والدوائر الخدمية، حتى لا تتحول ساعات التقنين إلى ساعات شلل كامل.
فالتقنين لم يعد مجرد أزمة كهرباء، بل أصبح أزمة معيشة وخدمات واقتصاد، تمتد آثارها إلى كل بيت وكل محل وكل مؤسسة، بينما يبقى المواطن الحلقة الأضعف التي تتحمل كلفة الانقطاع في كل مرة.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1288