لماذا يجب أن نقلق عندما يربت صندوق النقد على أكتافنا؟

لماذا يجب أن نقلق عندما يربت صندوق النقد على أكتافنا؟

في 4 آب الجاري، أصدر صندوق النقد الدولي بياناً صحفياً اختتم به بعثته إلى دمشق، التي امتدت من 19 حتى 23 من تموز 2026. وكان البيان حافلاً بالمصطلحات التقنية التي توحي بالثقة والطمأنينة، مثل «تعاف متسارع»، و«نمو يمكن أن يتجاوز 10% في عام 2026»، و«تحسن في المالية العامة»، و«تقدم ملحوظ». وكما هو متوقع، سارعت عدد من وسائل الإعلام السورية الرسمية وشبه الرسمية إلى تناول هذا البيان تناولاً انتقائياً، واستخلصت منه ما يشبه «شهادة دولية» على مزاعم أن الاقتصاد السوري يسير في الاتجاه الصحيح. غير أن القراءة الفاحصة لهذا البيان بما يتجاوز عناوينه العريضة، تكشف صورة مغايرة تماماً لا تبعث على الطمأنينة، بل تستدعي القلق البالغ، تحديداً من منظور مصلحة أكثر من 90% من السوريين يعيشون في الفقر.

ثمة قاعدة أولية يعرفها كل من تعامل مع وثائق صندوق النقد الدولي والمؤسسات الدولية عموماً، وهي ضرورة قراءة الهوامش قبل العناوين. وفي الهامش الأول من هذا البيان، وردت جملة صغيرة بالغة الأهمية تكاد تمر دون أن تلفت الانتباه، تقول صراحة: «تعبر الآراء الواردة في هذا البيان عن وجهات نظر خبراء من الصندوق، ولا تمثل بالضرورة آراء مجلسه التنفيذي. ولن تترتب على هذه البعثة أية مناقشة في المجلس التنفيذي». بمعنى آخر: إن ما يقرأه السوريون ليس موقف صندوق النقد الدولي، بل هو آراء فريق من الخبراء زار دمشق لخمسة أيام. غير أن الصحف التي نشرت أخباراً عن هذا البيان لم تشر إلى هذا التمييز الجوهري، ومضت تقدمه بوصفه «ختماً من صندوق النقد الدولي» على صحة المسار الاقتصادي السوري. وهذا التزوير بالإغفال أكثر خطورة من الكذب الصريح، لأنه يستعير «مصداقية» مفترضة لدى المؤسسات الدولية لتوظيفها في خدمة الرواية الحكومية.


ما قاله البيان...ولم تنقله وسائل الإعلام


لفهم ما جرى، لا بد من استعراض مضمون البيان بأمانة، قبل تحليله. حيث زار فريق من خبراء صندوق النقد الدولي برئاسة رون فان رودن دمشق لمدة 5 أيام، بهدف تقييم الوضع الاقتصادي ومناقشة «الإصلاحات» مع السلطات السورية. واختتم الفريق زيارته ببيان يتضمن جملة من الملاحظات الإيجابية والتحفظات، غير أن السمة العامة التي سادت تغطيات وسائل الإعلام كانت استخلاص «الإيجابيات» وحدها وتضخيمها. حيث أشارت معظم التغطيات الإعلامية إلى أرقام النمو المتوقعة (أكثر من 10% في 2026)، وإلى «التحسن في أداء المالية العامة»، و«تراجع الفقر إلى حد ما». وقدمت هذا المزيج باعتباره تأكيداً دولياً رسمياً على أن سورية تسير نحو التعافي الحقيقي.
أولاً، وهو الأهم كما أسلفنا، أغفلت التغطيات التنبيه الصريح في مطلع البيان على أن ما يتضمنه لا يمثل موقف المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي. حيث أن المجلس التنفيذي هو الجهاز المقرر في الصندوق، أما فريق الخبراء الزائر فهو أشبه بلجنة استشارية خارجية تبدي رأيها دون أن تلتزم به المؤسسة رسمياً. والفارق كبير من الناحية المؤسسية، ومن يتجاهله سواء عن جهل أو عن قصد إنما يزوِّر طبيعة الوثيقة.
ثانياً، أغفلت معظم التغطيات التحذيرات الجوهرية التي وردت في البيان ذاته، حيث «لا يزال الفقر واسع الانتشار»، و«النمو متفاوت بين المناطق»، و«ارتفع التضخم بصورة كبيرة خلال 2026»، و«السياسة النقدية تواجه قيوداً شديدة بسبب الخلل الكبير في أداء القطاع المصرفي»، و«لا تزال هناك فجوات في توافر وجودة البيانات الاقتصادية».
ثالثاً، تجاهلت معظم التغطيات أيضاً أن البيان يطالب صراحةً بما هو في جوهره برنامج تقشف كلاسيكي اعتاد الصندوق على محاولة إملائه على دول العالم الثالث مثل «الحد من الإنفاق الجاري والرأسمالي» و«تقليص الإعفاءات الضريبية» و«ترشيد أولويات الإنفاق»، وهي عبارات مغلفة بلغة اقتصادية تعني في الواقع المباشر إنهاء ما تبقى من ملامح دعم اجتماعي، ورفع أسعار السلع والخدمات، وتقليص دور الدولة أكثر.


سحر الأرقام: لماذا توقع النمو بـ10% مجرد وهم إحصائي؟


الرقم الأكثر تداولاً في تغطيات معظم وسائل الإعلام هو توقع فريق الخبراء أن تحقق سورية نسبة نمو تتجاوز 10% في عام 2026. ويوحي هذا الرقم للوهلة الأولى بأن سورية تمضي على الطريق الصحيح اقتصادياً، خصوصاً بعد سنوات من الحرب المدمرة التي ألحقت أضراراً واسعة في شتى قطاعات الاقتصاد. لكن هذه التقديرات عموماً لا تروي القصة كاملة، وكثيراً ما يجري استخدامها لإخفاء ما هو أهم، وهو أن النمو الاقتصادي لا يقاس في الفراغ، بل يقاس دائماً استناداً إلى نقطة انطلاق محددة. فإذا كان الناتج المحلي الإجمالي عام 2025 منهكاً وضعيفاً ومشوهاً، فإن أي تحسن - ولو بسيط وهامشي - سيبدو في الإحصاء ضخماً حين يعبر عنه بالنسبة المئوية. وهذه ظاهرة معروفة في الأدبيات الاقتصادية تحت مسمى «أثر الأساس المنخفض Low Base Effect».

وثمة مسألة منهجية أشد إشكالية لم يتطرق إليها البيان بوضوح: حيث أن نسبة غير معروفة من هذا النمو المتوقع ناجمة فعلياً عن إعادة إدراج مناطق جغرافية لم تكن ضمن سيطرة الحكومة السورية عام 2025 وأصبحت ضمن سيطرتها عام 2026، مما يعني أن نشاطها الاقتصادي لم يكن يحتسب في الناتج المحلي الإجمالي سابقاً وأضيف إلى الحالي. ولا يمثل هذا التحول «نمواً» حقيقياً بالمعنى الاقتصادي الدقيق، بل هو لا يعدو كونه توسعاً إحصائياً في مساحة الاحتساب.
وحتى البيان يشير صراحة إلى أن جزءاً من النمو مدفوع بـ«توسع إنتاج الهيدروكربونات»، وهذا إشارة إلى حقول النفط والغاز التي كانت تحت سيطرة الإدارة الذاتية في شمال شرق سورية والآن أعيد ضمها أو جزء منها إلى سيطرة الحكومة السورية.
النشاط الاقتصادي في تلك المناطق لم يتوقف طوال سنوات الحرب، بل كان موجوداً ولكنه لم يحتسب بشكلٍ كامل في الناتج المحلي الإجمالي للحكومة السورية. وإضافته الآن تعطي وهم «نمو» قياسي، بينما ما جرى في حقيقته هو إعادة توحيد إحصائي.
كما يقر البيان صراحة بأن التضخم «ارتفع بصورة كبيرة خلال 2026» نتيجة ارتفاع أسعار الواردات ولا سيما الوقود والمواد الغذائية، بالإضافة إلى رفع أسعار الخدمات العامة. وهذا يعني أن النمو الاسمي (المقاس بالأسعار الجارية) قد يكون جزء كبير منه تضخماً سعرياً لا توسعاً إنتاجياً حقيقياً. ففي الاقتصادات التي تعاني موجات تضخم حادة، يكون النمو الحقيقي المعدل بعوامل الأسعار أقل بكثير من النمو الاسمي - وقد يكون سالباً في بعض القطاعات.

وأخيراً، حتى لو افترضنا جدلاً أن نسبة الـ10% حقيقية وغير مضخمة إحصائياً، تبقى المسألة الجوهرية هي من يجني ثمار هذا النمو؟ يشير البيان بنفسه إلى أن «النمو متفاوت بين المناطق» وأن «الفقر لا يزال واسع الانتشار». وهذا اعتراف صريح بأن النمو المعلن لا يوزع بالتساوي، ومن يجنيه هم أصحاب الربح الكبير، لا العمال والموظفون السوريون أصحاب الأجور الهزيلة. والنمو الاقتصادي الذي لا يترجم إلى تحسن ملموس في أجور المواطنين ومستويات الخدمات العامة ومنظومة الدعم الاجتماعي، هو نمو لمصلحة الأثرياء لا الفقراء.

_result


وصفة صندوق النقد:دواء أم سم طويل الأمد؟


للإجابة عن سؤال لماذا يجب أن يقلق السوريون عندما يربت صندوق النقد على أكتافهم، لا بد من استحضار السجل التاريخي لتدخلات الصندوق فيما يسمى باقتصادات ما بعد الصراع والأزمات، وهو تاريخ موثق بأثمان إنسانية باهظة دفعتها شعوب حية غيرنا.
قبل الدخول في التحليل، من المهم توضيح ما حدث فعلياً في زيارة تموز 2026، حيث أجرى وفد الصندوق نقاشات مع السلطات السورية، وجرى الإعلان عن «برنامج واسع للمساعدة الفنية» يشمل خمسة محاور: إدارة المالية العامة، وتعبئة الإيرادات، وإدارة الدين العام، وإعادة تأهيل القطاع المصرفي، وتعزيز إطار مكافحة غسل الأموال. والجديد من الناحية الوظيفية هو أن صندوق النقد يعلن رسمياً دخوله مرحلة التعاون التقني العميق مع الحكومة السورية، وهو ما يرسي الأرضية الخصبة لعلاقة مستقبلية أكثر إلزامية للجانب الحكومي السوري.
في اليونان (بين عامي 2010 و2018)، جرى تطبيق برنامج «الإنقاذ» الذي أشرف عليه الصندوق وشمل خفض الأجور والمعاشات، ورفع الضرائب، وتقليص الإنفاق على الدعم الاجتماعي. وماذا كانت النتيجة الفعلية على الأرض؟ تقلص الناتج المحلي الإجمالي بنحو 25% على مدى سنوات، وارتفع معدل البطالة إلى نحو 27%، وانتشر الفقر في صورة لم تشهدها اليونان منذ الحرب العالمية الثانية. وفي وقت لاحق، وبعد أن «ضرب من ضرب وهرب من هرب»، اعترف مدير أبحاث الصندوق بأن السياسات التقشفية كانت «أشد إيلاماً» مما قدرت التوقعات الأولية.

وكذلك في الأرجنتين (بين عامي 1998 و2001)، اتبعت الحكومة وصفات الصندوق بانصياع شبه تام: حيث جرى تحرير الأسواق، وتثبيت سعر الصرف، وخفض الإنفاق العام. وانتهى المشهد بأكبر إفلاس سيادي معلن في التاريخ، وبانتفاضة اجتماعية أفضت إلى استقالة خمسة رؤساء خلال أقل من أسبوعين فقط، وبارتفاع معدل الفقر إلى نحو 54% من السكان.
وكذلك الحال في إندونيسيا وكوريا الجنوبية وتايلاند إبان أزمة جنوب شرق آسيا (بين عامي 1997 و1998)، حين فرض الصندوق شروطاً تقشفية أسهمت في تعميق الركود بدلاً من تخفيفه. في إندونيسيا وحدها، ارتفع معدل الفقر خلال عام واحد من نحو 11% إلى ما يزيد على 40%. ووثق نائب رئيس البنك الدولي آنذاك، جوزيف ستيغلتز، بنفسه هذه الكوارث لاحقاً مشيراً إلى أن وصفات الصندوق كانت توصف لأهداف سياسية وأيديولوجية لا لاعتبارات اقتصادية بحتة.
وفي دول أفريقيا جنوب الصحراء في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، أطلق على سياسات الصندوق والبنك الدولي اسم «برامج التكيف البنيوي». وأسفرت هذه البرامج عن تقليص الإنفاق على الصحة والتعليم، وخصخصة المرافق العامة، ورفع أسعار الخدمات الأساسية، وكانت النتيجة في أغلب الحالات تفاقم الفقر وتراجع مؤشرات التنمية البشرية، حتى أطلق عليها المنتقدون تسمية «العقد الضائع».
ما يوصي به بيان صندوق النقد لسورية اليوم يشكل بوضوح الملامح الأولى لـ«برنامج التكيف البنيوي» المعمول به في جميع الحالات السابقة، وإن كان يجري تقديمه بلغة أكثر لطفاً: حيث أن «تقليص الإعفاءات الضريبية» في ظل غياب منظومة ضريبية تصاعدية يعني عملياً توسيع الضرائب غير المباشرة الأشد وطأة على الشرائح الأفقر. كما أن «الحد من الإنفاق الجاري» يعني تقليص الخدمات الصحية والتعليمية والاجتماعية في بلد يعاني من انهيار هذه الخدمات أصلاً.
وما لا يوضحه البيان صراحة هو أن التحول من «المساعدة الفنية» إلى «ترتيبات التمويل» في مرحلة لاحقة من شأنه أن يحول التوصيات الطوعية اليوم إلى شروط إلزامية غداً. فإذا ذهبت سورية في وقت لاحق إلى طلب الحصول على تمويل من الصندوق، سيكون الصندوق في موقع القادر على فرض شروطه: «تذكرون التوصيات التي قبلتم بها في 2026؟ الآن هي شرط للحصول على القرض». قد يبدو هذا الكلام مؤامراتياً للوهلة الأولى، لكنه النمط الموثق في عشرات الحالات التاريخية التي ذكرناها سابقاً.
ما ينبغي إضافته هنا هو أن سورية تدخل في علاقتها مع الصندوق في وضع استثنائي من حيث الهشاشة، حيث أن هناك قطاعات اقتصادية عديدة مدمرة، ومؤسسات دولة مترهلة، وشعب منهك لا طاقة له على تحمل المزيد من الصدمات. وفي هذا الوضع بالذات، يكون المديح الذي يكيله الصندوق لسورية أكثر خطورة، لأنه يشرعن مساراً قبل أن تتاح الفرصة للنقاش الوطني العام حول بدائله المتوفرة. ومن التجربة السابقة، يمكن القول إن وصفات الصندوق قد تحسن شكلياً مؤشرات «الاستدامة المالية» على الورق، لكن الثمن الإنساني دفعه دائماً من لا يملكون رفاهية قراءة الورق.

screenshot-2026-08-05-at-8_39_02pm-large_result

معلومات إضافية

العدد رقم:
1290