12 ألف حالة سرطان جديدة... الدولة أمام اختبار الحق في العلاج

12 ألف حالة سرطان جديدة... الدولة أمام اختبار الحق في العلاج

لم تعد أرقام مرضى السرطان في سورية مجرد بيانات طبية عابرة، بل أصبحت مؤشراً على تحدٍّ صحي واجتماعي متصاعد يفرض على الدولة مراجعة سياساتها في التعامل مع هذا المرض، خصوصاً في ظل ارتفاع كلفة العلاج وصعوبة حصول كثير من المرضى على الأدوية والجرعات اللازمة.

فقد كشف مدير الهيئة العامة لمشفى البيروني الجامعي الدكتور رضوان الأحمد أن المشفى سجل نحو 12 ألف حالة سرطان جديدة كإصابة أولى خلال عام 2025، بمعدل يقارب 1000 حالة جديدة شهرياً. وجاء التصريح ضمن حديث نقلته «سورية الآن» بتاريخ 15 تموز 2026، بالتزامن مع إدخال جهاز العلاج الموضعي الإشعاعي عالي الجرعة (HDR) المخصص لعلاج بعض السرطانات النسائية. كما أشار الأحمد إلى أن المشفى يستقبل يومياً نحو 1000 مريض سرطان لتلقي العلاجين الكيميائي والشعاعي، وأن سرطان الثدي يحتل المرتبة الأولى بين الحالات المسجلة.
ورغم أهمية هذه الأرقام، فإن قراءتها تحتاج إلى دقة منهجية؛ فهي لا تمثل معدل الإصابة بالسرطان في سورية على المستوى الوطني، ولا يمكن اعتمادها كإحصاء شامل لجميع الحالات الجديدة في البلاد، كونها تعكس الحالات التي وصلت إلى مشفى البيروني وسُجلت ضمن نطاق عمله. لكنها في المقابل تقدم مؤشراً واضحاً على حجم التدفق المتزايد للحالات المستجدة التي تواجه أحد أكبر المراكز المتخصصة بعلاج الأورام في سورية.


ألف حالة جديدة شهرياً...عبء مستمر يتطلب استجابة مختلفة


إن تسجيل نحو ألف حالة جديدة شهرياً يعني أن المشفى يتعامل سنوياً مع آلاف المرضى الذين يحتاجون إلى تشخيص دقيق، وخطط علاج طويلة، ومتابعة مستمرة، وأدوية باهظة الثمن. وهذا الرقم وحده يكشف أن التعامل مع السرطان لم يعد قضية علاجية محدودة، بل أصبح ملفاً صحياً واجتماعياً يتطلب تخطيطاً حكومياً طويل الأمد.
فزيادة أعداد الحالات المستجدة تعني بالضرورة زيادة الحاجة إلى:
توسيع قدرة المشافي العامة على استقبال المرضى.
تأمين أدوية السرطان بشكل منتظم ومنع انقطاع الجرعات.
توفير أجهزة العلاج الشعاعي والصيانة الدورية لها.
دعم برامج الكشف المبكر والتشخيص.
تعزيز السجل الوطني للسرطان للحصول على بيانات دقيقة تساعد في وضع السياسات الصحية.


عندما يتحول العلاج إلى عبء مالي على المريض


المشكلة الأكبر لا تكمن في عدد الحالات الجديدة فقط، بل في قدرة المرضى على الحصول على العلاج. فقد وثقت تقارير إعلامية وشهادات مرضى خلال السنوات الماضية وجود نقص في بعض أدوية السرطان والجرعات العلاجية داخل المشافي، ما دفع مرضى إلى البحث عنها في الصيدليات الخاصة وشرائها على نفقتهم الشخصية، وسط ارتفاع كبير في الأسعار مقارنة بقدرة معظم الأسر السورية.
وهذا يعني أن المريض المصاب بالسرطان قد يواجه تحديين في وقت واحد؛ مواجهة المرض نفسه، ثم مواجهة كلفة العلاج وتأمين الجرعات. ففي ظل الظروف الاقتصادية الصعبة، فإن تأخر توفر الدواء أو اضطرار المريض إلى شرائه من السوق الخاصة قد يصبح عاملاً يهدد استمرارية العلاج، خصوصاً أن بروتوكولات علاج السرطان تعتمد غالباً على انتظام الجرعات وعدم تأخيرها.
ولا يمكن تحميل المريض وعائلته عبء تأمين علاج يعد من أكثر العلاجات الطبية كلفة، في وقت يفترض أن تكون الأمراض الخطِرة والمهددة للحياة ضمن أولويات الحماية الصحية العامة.


مسؤولية الدولة... من تسجيل الأرقام إلى ضمان الحق في العلاج


إن إعلان وجود 12 ألف حالة جديدة خلال عام واحد يجب ألّا يبقى مجرد رقم في تصريح إعلامي، بل يجب أن يتحول إلى أساس لخطة وطنية واضحة لمواجهة السرطان.
وتتحمل الدولة، عبر وزارة الصحة ووزارة التعليم العالي والبحث العلمي، مسؤولية مباشرة في ضمان توفر العلاج داخل المؤسسات العامة، باعتبار أن مشافي التعليم العالي، وعلى رأسها مشفى البيروني، تمثل مركزاً أساسياً لعلاج الأورام في سورية.
فلا يكفي إدخال جهاز حديث أو تطوير بعض التقنيات العلاجية، رغم أهميتها، إذا بقي المريض معرضاً لفقدان جرعته الدوائية أو مضطراً لشرائها بأسعار تفوق قدرته. التكنولوجيا الطبية لا تحقق هدفها ما لم ترافقها منظومة تأمين دوائي عادلة ومستقرة.
كما أن دعم مراكز علاج الأورام لا يجب أن يقتصر على التجهيزات، بل يجب أن يشمل تمويل شراء الأدوية، وتأمين المستلزمات، وزيادة عدد الكوادر الطبية المتخصصة، وتخفيف العبء المالي عن المرضى.


الاختبار الحقيقي في ضمان وصول العلاج


إن رقم 12 ألف حالة سرطان جديدة خلال عام 2025 في مشفى البيروني لا يمثل إحصاءً وطنياً شاملاً، لكنه يمثل إشارة قوية إلى حجم التحدي الذي تواجهه المنظومة الصحية السورية. فخلف كل رقم، مريض يحتاج إلى علاج منتظم، وأسرة تواجه تكاليف مرتفعة، ومنظومة صحية مطالبة بالانتقال من رد الفعل إلى التخطيط.
ويبقى الاختبار الحقيقي أمام الجهات المعنية ليس في إعلان أعداد المرضى فقط أو افتتاح أجهزة جديدة، بل في ضمان أن يصل العلاج إلى كل مريض يحتاجه، دون أن يصبح تأمين الدواء معركة إضافية تضاف إلى معركة المرض.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1287