سيادة السياسة النقدية.. سلطة البنوك المركزية بين الوهم والحقيقة
يمر النظام الرأسمالي المعاصر بمرحلة وصفها واضعو السياسات النقدية بـ «سيادة السياسة النقدية»، وهو مصطلح لا يعنى أن البنوك المركزية تسيطر فعلياً على الاقتصاد الكلي، بل يعني إخضاع كامل السياسات الاقتصادية الحكومية لتوجهات هذه البنوك في تحديد أسعار الفائدة قصيرة الأجل. ورغم ما نشهده من محاولات فجة من بعض الإدارات السياسية للنيل من استقلالية البنوك الفيدرالية، فإن المبدأ الأساسي القائل: إن أسعار الفائدة هي الأداة الجوهرية لكبح التضخم، وتنظيم مستويات التشغيل والنشاط الاقتصادي لا يزال مقبولاً على نطاق واسع في الأوساط الاقتصادية والسياسية الجادة، باستثناء بعض النماذج كاليابان والصين.
جان توبوروفسكي بتصرف عن مجلة المراجعة الشهرية
موجة التضخم سبباً
ترجع جذور هذه العقيدة إلى موجة التضخم التي اجتاحت العالم في سبعينيات القرن الماضي، والتي أنجبت المدرسة النقدية التي سعت للسيطرة على الأسعار عبر التحكم في كمية النقود المعروضة. غير أن هذه المدرسة فشلت فشلاً ذريعاً في ثمانينيات القرن ذاته، إذ انخفض التضخم بينما استمر عرض النقود في التوسع، مما كشف أن البطالة المرتفعة وانخفاض تكاليف الطاقة آنذاك، وليس كمية وسائل الدفع، هي التي أفشلت الموجة التضخمية. وبحلول نهاية الثمانينيات، تخلت البنوك المركزية عن محاولاتها للسيطرة على الكم النقدي، واتجهت إلى أداة أكثر طواعية، هي سعر الفائدة الذي تقرض به البنوك التجارية، متزامناً ذلك مع دخول البضائع الصناعية الآسيوية الرخيصة إلى الأسواق العالمية، مما أوهم المصرفيين بأن سياسات «استهداف التضخم» عبر أسعار الفائدة هي الحل السحري للاستقرار الاقتصادي.
«مفارقة جيبسون»
إنّ التحليل التاريخي الدقيق يكشف مفارقة جوهرية؛ فجميع المعطيات تبين أن أسعار الفائدة ترتفع مع فورة الانتعاش الاقتصادي وتنخفض مع فترات الركود، وهو عكس ما يردده المصرفيون من أن رفعها يخفض التضخم وخفضها يحفز النشاط. هذه الظاهرة، التي أطلق عليها كينز اسم «مفارقة جيبسون»، كانت معروفة منذ القرن التاسع عشر لدى اقتصادي نقدي هو توماس توك، الذي بيّن أن الفائدة ترتفع بتدفق الذهب خارج الخزائن أثناء فورات الاستيراد، وتنخفض مع كساد النشاط. وقد تأثر ماركس بهذا الطرح، رافضاً بذلك فكرة ريكاردو القائلة بتطابق سعر الفائدة مع معدل الربح. أما الاقتصادي السويدي ناوت ويكسل فقد قدّم تفسيراً كلاسيكياً لهذا التناقض، معتمداً على مفهوم «سعر الفائدة الطبيعي» الذي يفترض أن الاستثمار ينتعش عندما يكون سعر الاقتراض أدنى من معدل الربح المتوقع، والعكس صحيح. لكن مشكلة هذه النظرية تكمن في استحالة حساب معدل الربح المستقبلي بدقة، مما يجعلها تخمينية لا ترقى إلى مستوى اليقين العملي.
تدفق الواردات الصينية
إذا انتقلنا إلى التحليل الجذري لأسباب التضخم، يقدّم لنا اقتصادي، مثل:
ميخال كاليكي رؤية مغايرة تماماً، إذ يعزو التضخم إلى ظاهرة سوق العمل والعلاقة بين الإنفاق الاستهلاكي وعرض السلع الاستهلاكية، وليس إلى السياسة النقدية. فارتفاع الاستثمار في فورة الانتعاش قد يسبب التضخم إذا تسارعت الأجور والاستخدام بشكل يفوق المعروض من السلع الأساسية. على الصعيد العالمي، كان التضخم المنخفض قبل الجائحة نتيجة مباشرة لتدفق الواردات الصينية الرخيصة، وإضافة ملايين العمال الصينيين إلى سوق العمل العالمي، إضافة إلى تراجع تكاليف الطاقة والمواد الخام. أما اليوم، فالحروب في أوكرانيا والشرق الأوسط تثبت أن الطاقة والمواد الأولية هي العامل الأهم في تحريك الأسعار، وليس قرارات الفيدرالي الأمريكي. والعامل النقدي الوحيد المؤثر حقاً في ظل أنظمة الائتمان الحديثة هو سعر الصرف، الذي يحدد تكلفة الواردات بالعملة المحلية، وهذا السعر يستقر اليوم عبر نظام مقايضات العملات، لا عبر حكمة البنوك المركزية.
هيكل الديون
إذاً، ما الوظيفة الحقيقية للسياسة النقدية إن كانت عاجزة عن السيطرة على التضخم والدورة الاقتصادية؟ تكمن الإجابة في هيكل الديون والمراكز المالية للشركات الكبرى والمؤسسات المالية، التي تعيد تمويل ميزانياتها العمومية استجابة لكل تغير في أسعار الفائدة، عبر عمليات الاندماج والاستحواذ وإعادة هيكلة الأصول والخصوم. هذا النشاط، الذي يثري التعاملات المالية دون أن يمس النشاط الإنتاجي، لا يخدم الاقتصاد الحقيقي، بل يعزز هيمنة رأس المال الاحتكاري، ويكرس الركود الذي يميز الرأسمالية المعاصرة. أما الأسر والشركات الصغيرة التي تضطر للاقتراض بسبب المنافسة غير العادلة، أو تدني الدخل وتآكل الخدمات العامة، فلا يتأثر إنفاقها بأسعار الفائدة الرسمية بقدر ما يتأثر بضغوط الديون اليومية؛ فالفوائد المرتفعة تضغط ميزانياتها لتلجأ إلى مزيد من الاقتراض، بينما المنخفضة قد تتيح لها فرصة إعادة جدولة الديون بدلاً من زيادة الاستهلاك أو الاستثمار. وهكذا، فإن «آلية النقل النقدي» التي يتحدث عنها المصرفيون- التي تفترض أن تخفيض الفائدة يحفز الاستثمار ورفعها يكبحه- تتعطل لأن استجابة الشركات تعتمد على «الثقة» التي تتضاءل كلما تدخلت الدولة بسياسات مالية مباشرة تحافظ على التوظيف والأجور.
زمام التحكم بالاقتصاد
تكمن المفارقة السياسية العميقة التي يطرحها المقال في: لماذا يصر الرأسماليون على السياسة النقدية رغم فشلها في تحقيق أهدافها المعلنة؟ لأنها الأداة الوحيدة التي تظل فعاليتها مرهونة بمبادرة القطاع الخاص وثقته، أي أن زمام التحكم بالاقتصاد يُترك لـ «ثقة» رجال الأعمال، بينما السياسات الأخرى- كالإنفاق الحكومي المباشر، أو التشريعات العمالية، أو تنظيم التجارة، أو توفير الخدمات العامة- هي أدوات ديمقراطية مباشرة تنتزع الهيمنة من رأس المال، وتُخضعه للإرادة الجماعية والمصالح الاجتماعية. فالتوظيف الحكومي ورفع الحد الأدنى للأجور يقلصان هامش المناورة الرأسمالية، ولذا فإن وسائل الإعلام تمنح قرارات الفائدة هالة من التقديس والرهبة، باعتبارها بشرى ازدهار أو تقشف مستقبلي، وذلك لصرف الأنظار عن الجوهر الحقيقي للأزمة.
العقبة الحقيقية
في الختام، ينبغي للمفكر الجاد أن يتجاوز هذا المهدئ الفكري الذي يروج أن انخفاض الفائدة كفيل بحل كافة المشكلات الاجتماعية والبيئية. فأسعار الفائدة ليست حجر العثرة أمام مستقبل أخضر ومستدام، وليست السبب في غياب العدالة الاجتماعية والازدهار الشامل؛ بل العقبة الحقيقية هي النظام الرأسمالي نفسه، القائم على إخضاع استقرار الأفراد والمجتمعات لمقاييس الربح الخاص و»ثقة» المستثمرين، بعيداً عن أي رقابة ديمقراطية، أو سياسات إنمائية عادلة. إن تحرير الاقتصاد من ربقة هذه الأوهام يقتضي استعادة الأدوات المالية المباشرة، ورفض هيمنة المصرفيين على مصائر الشعوب تحت غطاء النظريات الاقتصادية الجامدة.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1290