«اتفاقية مكّة»… نظامٌ إقليميٌ جديد يبنى بعيداً عن واشنطن!

«اتفاقية مكّة»… نظامٌ إقليميٌ جديد يبنى بعيداً عن واشنطن!

جاءت الأنباء حول توقيع اتفاقية دفاعٍ مشترك بين باكستان والسعودية وتركيا لتؤكد مجدداً طبيعة الاتجاه الإقليمي العام، فهذه الاتفاقية التي رآها البعض مفاجأةً، كانت في الواقع تطوراً طبيعياً لتفاهماتٍ تجري بين الدول الإقليمية الأساسية، وتحديداً بعد أن أدركت هذه الدول أنه لا يمكن التعويل على الولايات المتحدة لتأمين أمن المنطقة، وخصوصاً كون هذه الأخيرة السبب المباشر في الحرب الدائرة.

وقّع كلٌّ من ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في يوم الجمعة 7 آب الجاري (2026) اتفاقية دفاعٍ مشتركٍ، باتت تعرف بـ «اتفاقية مكّة للدفاع المشترك» وهو الاسم الذي حمل دلالة كبيرة بحد ذاته، فهذا التحالف هو الأول من نوعه منذ حلف بغداد عام 1955 بفارقٍ كبير؛ كون «اتفاقية مكّة» جرت بعيداً عن واشنطن، وتشكّل في الوقت ذاته عائقاً كبيراً أمام أي مخططٍ خارجي لزعزعة العلاقات الإقليمية، وهي السمةُ الأساسية للسياسات الأمريكية-«الإسرائيلية».


ما الذي نعرفه عن هذا التحالف؟


تنص الاتفاقية حسب التصريحات الرسمية، على أن الدول الأطراف ملتزمةٌ بالدفاع المشترك ضد أي اعتداءٍ أو هجومٍ مسلحٍ يتعرض له أي طرفٍ من الأطراف الثلاثة الموقِّعة، في صيغةٍ تشبه إلى حدٍ كبير المادة الخامسة لحلف الناتو، وتهدف الاتفاقية إلى نقل الخبرات والتكنولوجيا العسكرية، وتطوير مشاريعٍ مشتركةٍ في مجال الصناعات الدفاعية، وتفعيل التدريبات والمناورات العسكرية المتبادلة، إلى جانب التنسيق في مكافحة الإرهاب وتبادل المعلومات الاستخباراتية، هذا بالإضافة إلى العمل على إنشاء هيكلٍ تنظيميٍّ وقياديٍّ مشترك يدمج فيه الهياكل الأمنية في لجنة استراتيجية سياسية وعسكرية موحدة تضم وزراء الخارجية والدفاع ورؤساء هيئة الأركان للدول الثلاث، على أن تستضيف المملكة العربية السعودية أمانةً عامةً دائمة للتحالف على أراضيها. أي أن دول التحالف ستعمل لا على تنسيق جهودها العسكرية والاستخباراتية فحسب بل ستعمل أيضاً ككتلة دبلوماسية واحدة تحديداً في القضايا المرتبطة بأمن المنطقة، وضد كل ما يهدد استقرارها.
وكان من المتوقع أن يطفو على السطح جملة من التساؤلات لحظة إعلان هذه المعاهدة، مثل موقف التحالف الجديد من الدول الإقليمية الأخرى، وهل يحدد أعضاؤه عدواً مشترك؟ هنا كانت بعض الإجابات واضحة وحاسمة بينما ظلّ بعضها الآخر مجهولاً، فمن جانبه أكد الجانب التركي رسمياً أن إيران ليست مستهدفةً بهذا الاتفاق، وأكدت الأطراف المعنية على الطابع الدفاعي للتحالف، مؤكدين أنّ ما جرى الاتفاق عليه لا يمثل بأي شكلٍ من الأشكال تحالفاً مذهبياً بقدر ما هو إطار مفتوح لـ «الدول الشقيقة والصديقة»، وترافق ذلك مع حديث رسمي عن احتمال جدّي لانضمام مصر للتحالف في مرحلة لاحقة بعد معالجة بعض الجوانب التقنية.


نظرة أشمل للموقف من إيران


رغم تأكيد الجانب التركي أن الاتفاقية لا تستهدف إيران، يحاول البعض دحض هذه الفكرة بالاستناد إلى الحرب الدائرة حالياً، والتي جرى خلالها استهداف إيراني للمصالح الأمريكية في السعودية، قبل أن تدخل السعودية في موجة تصعيد جديدة مع الحوثيين في اليمن. لكن فهم الموقف الضمني لهذا التحالف من إيران نفسها يحتاج النظر إلى هذه المسألة من زاوية أوسع، فالسعودية كانت وقّعت في شهر أيلول الماضي اتفاقية دفاعٍ مشتركٍ مع باكستان، ولكن إسلام أباد بالرغم من ذلك لم تدخل في مواجهة إيران، بل عملت بشكلٍ حثيث على لعب دور الوساطة، بل وتحديداً تخفيف التوتر الناشئ بين الرياض وطهران. وبدلاً من قراءة سلوك باكستان بوصفه «تقاعساً» عن دعم حليفها السعودي، ظهر في الواقع أن هناك نظرة مشتركة لضرورة تجاوز هذه الأزمة بعيداً عن المواجهات العسكرية، وهو ما يعزز في الواقع الأمن الإقليمي لا العكس، فإن بناء تحالفاتٍ من هذا النوع ينطلق من فهمٍ عميقٍ للمصالح. وعلى هذا الأساس تدرك دول المنطقة ضمنياً أن احتواء مثل هذه الأزمات ممكن بالفعل وقابل للتطبيق، بل إن الموقف الإيراني طوال فترة الحرب كان يركز على إخراج القوات الأجنبية من المنطقة، وأكدت إيران ذلك قبل أيامٍ قليلة من الإعلان عن معاهدة مكة، إذ أجرى القائم بأعمال وزير الدفاع الإيراني سيد مجيد ابن الرضا اتصالاً هاتفياً مع وزير الدفاع التركي يشار غولر في 3 آب الجاري، طرح خلاله مجدداً مقترح إيران لتشكيل تحالف أمني إسلامي يضم دولاً من بينها تركيا وباكستان والسعودية ومصر، وانطلق القائم بأعمال وزير الدفاع الإيراني من أن الحرب الأخيرة أكدت أن أمن المنطقة يجب أن تتولاه دولها لا قوىً خارجية. ومن جانبه أكد غولر أن تركيا تدعم السلامة الإقليمية لدول الجوار مؤكداً على أن «التقارب الإقليمي هو السبيل الوحيد لتحقيق سلام مستدام».
إن ما سبق لا يلغي بحالٍ من الأحوال وجود مخاوف لدى أطراف إقليمية من الدور الإيراني وتحديداً بعد أن تبين أن إيران تخرج منتصرة من الحرب الأخيرة، إلا أن هذا النوع من الخلافات قابل للحل وتحديداً كوننا نتحدث عن دول أصيلة في المنطقة.


القلق «الإسرائيلي»!


كانت مراكز أبحاث «إسرائيلية» حذّرت سابقاً من أن سلوك الكيان تجاه الإقليم والقائم على إرهاب الدول الإقليمية ودفعها لتقديم تنازلات كبرى يمكن أن يقود إلى نتائج عكسية، وهي تحديداً ما نراه اليوم، فالدول مثل تركيا التي تسمع تهديداتٍ «إسرائيلية» علنية بشكلٍ شبه يومي، تدرك أنّها لن تعوّل على دعم حلف الناتو في أي مواجهة مستقبلية محتملة مع «إسرائيل»، وهي لذلك مضطرة للبحث وتثبيت أقدامها أكثر في العمق الآسيوي والبحث عن شراكات قائمة على المصالح المتبادلة، وهو ما ينطبق على مصر، التي ترى تهديدات متزايدة على الجبهة مع الكيان.
إن البحث العميق عن مخاوف الدول التي تشكل التحالف الجديد، أو تلك المرجحة للانضمام قريباً، يقودنا مباشرةً إلى أن الهدف الحقيقي منه هو تأمين مظلة أمنية حقيقية يمكن احتماء تحتها من التقلبات الإقليمية الخطيرة، وتحديداً ضد المخططات «الإسرائيلية»، فوجود حلفٍ من هذا النوع سيفرض على جيش الاحتلال إعادة حساباته كلّها، وتحديداً بعد التعثر في الحرب ضد إيران، فكان بعض المحللين «الإسرائيليين» يقلقون من أن هزيمة إيران إنْ حصلت فعلاً لن تضمن «لإسرائيل» طريقاً مفتوحاً لتنفيذ مخطط «إسرائيل الكبرى». أما الآن فالواقع أكثر قتامةً، بعد فشلها في إيران. الفشل الذي أدى مؤخراً لإقالة اثنين من كبار المسؤولين داخل الموساد؛ هما رئيس قسم الشؤون الإيرانية ورئيس شعبة الاستخبارات، وذلك نتيجةً: «لفشل خطة عملياتية سرية كانت تهدف إلى زعزعة استقرار النظام الإيراني من خلال استغلال الجماعات العِرقية والأقليّة، ودعم قيادة بديلة في إيران».

كانت السياسة الأمريكية قائمةً على جعل وجودها ضرورياً ولا يمكن الاستغناء عنه طوال عقود، فرغم الدور التخريبي الواضح، ظلّت المنظومات الأمنية والعسكرية لعددٍ كبيرٍ من دول الإقليم مرتبطةً بالولايات المتحدة، وغير قادرةٍ على الحركة دون هذا الغطاء، لكن هذه الدول بالذات بدأت منذ سنوات الاستعداد للحظة كهذه، للحظةٍ تجد نفسها أمام خيارين لا ثالث لهما: فإما التفاهم وإعادة بناء نظام أمني إقليمي مشترك وإما مواجهة الفوضى الهدامة. وإنْ كان حجم ودور إيران في هذا النظام القادم لا يزال مجهولاً، فإنّ بناء نظام كهذا لا يمكن أن يتم دون إيران ولا يمكن أن يتم إلا بتنسيقٍ مع قوى دولية أخرى مثل روسيا والصين، اللتين وضعتا منذ سنوات مخطط هذا النظام الذي نراه يتحقق أمامنا اليوم، فإنْ كان الحديث عن معاهدة دفاع مشترك تشمل تركيا والسعودية وباكستان ومصر كان قبل سنوات أبعد ما يكون عن التصديق، فيجب أن نكون على يقين أن «المفاجآت» قادمة، وعندها سنرى كيف يواجه الكيان الصهيوني مصيره المحتوم.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1290