الأرقام تطفو على سطح الإهمال، مأساة الغرق في سورية ليست قدراً...
رهف ونوس رهف ونوس

الأرقام تطفو على سطح الإهمال، مأساة الغرق في سورية ليست قدراً...

في مشهد يعيد إنتاج مأساة يومية، كشفت وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث عن إحصائية صادمة، إذ سجّلت المسطحات المائية 110 حالات وفاة غرقاً منذ مطلع عام 2026 وحتى نهاية تموز الفائت.

الرقم، وإن بدا هزيلاً في قاموس الإحصاءات الرسمية، فإنه يختصر معاناة أسر فقدت فلذات أكبادها، ويجسّد فشلاً ذريعاً في حماية أبسط حقوق المواطن «حقّه في الحياة».


أرقام تتحدث


تكشف البيانات تفاصيل مروّعة، 201 حالة غرق استجابت لها فرق الدفاع المدني، تمكنت من إنقاذ 39 شخصاً فقط، فيما لقي 110 آخرون حتفهم، والأكثر إيلاماً أن شهر تموز وحده شهد وفاة 42 شخصاً، بينهم 26 طفلاً وامرأة.
أطفال كان بإمكانهم أن يكونوا في مدارسهم أو بين أحضان عائلاتهم اليوم، لكن القدر - بل الإهمال - شاء أن يكون مصيرهم مياهاً عكرة.
وتؤكد الوزارة أن نحو 90% من هذه الحوادث وقعت أثناء السباحة في مواقع خطرة غير مخصصة.
هل ننتظر حتى يغرق الجميع؟
في تصريح لـصحيفة «الثورة السورية» بتاريخ 27/7/2026، كشف مدير برنامج البحث والإنقاذ في الدفاع المدني «وسام زيدان» عن جزء من التحديات، «بأن إنشاء نقاط مراقبة ثابتة أو تسيير دوريات على امتداد البحيرات والسدود والأنهار غير عملي، نظراً للامتداد الواسع للمسطحات المائية، وما يتطلبه ذلك من موارد بشرية ولوجستية كبيرة».
هذا الاعتراف، رغم قسوته، هو كشف جزء من المشكلة ويتطلب حلولاً مستدامة، «فلا يمكن» التي يردّدها المسؤولون أصبحت شعاراً دائماً يبرّر التقاعس.
إن كان تسيير الدوريات «غير عملي»، وإن كانت الموارد البشرية «غير كافية»، فلماذا لم يتم التحرك لتُعزز هذه الموارد؟ ولماذا لم تُوضع الخطط البديلة؟ ومن يتحمّل مسؤولية هذا التقصير؟


بين الانطباع الخاطئ والحقيقة المرّة


الأغرب في تصريح زيدان قوله إن وجود نقاط مراقبة دائمة «قد يمنح المواطنين انطباعاً خاطئاً بأن هذه المواقع آمنة للسباحة».
هذا «المنطق» يحوّل مسؤولية حماية المواطن إلى ذريعة لتعريضه للخطر!، وكأننا نقول للمواطن «سنتركك تغرق كي لا نُوهمك بالأمان»!
فغياب الرقابة يعني غياب الإنذار المبكر، وغياب التدخل السريع، وتحويل كل مسطح مائي إلى مقبرة جماعية محتملة.


حملات التوعية «لا تكفي»


استأنفت الوزارة حملة «معاً فراتنا آمن 2» بمشاركة الدفاع المدني واليونيسف. حملات توعية «مشكورة»، لكنها لا توقف نزيف الأرواح.
فالمشكلة ليست في قلة وعي المواطن بمخاطر السباحة في هذه المسطحات فحسب، بل في غياب البديل الآمن، وفي غياب الدولة عن مواقع الخطر، وفي غياب الإرادة الحقيقية لمعالجة جذور المشكلة.
والحقيقة الأكثر إيلاماً أن هذه المأساة انعكاس لواقع اقتصادي واجتماعي مزمن في بلد يعيش فيه أكثر من 90% من سكانه تحت خط الفقر، وتتجاوز فيه نسبة البطالة 50% عموماً و60% بين الشباب، ليجد المواطن نفسه مضطراً للبحث عن متنفسٍ مجاني للهروب من جحيم الحياة اليومية، وهذه المسطحات الملاذ الوحيد لعائلة لا تستطيع دفع ثمن دخول المسبح أو الشاطئ الخاص.


من المسؤول؟


المسؤولية مشتركة، من وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث، التي تتحمل المسؤولية المباشرة عن سلامة المواطنين في المسطحات المائية، وبتنسيق الجهود مع مديريات الموارد المائية والجهات المحلية والحكومة التي تمثل الذراع التنفيذي للدولة، معاً يتحملون وزر استمرار هذه الكارثة الإنسانية.
المطلوب، تأهيل الشواطئ وتزويدها بفرق إنقاذ ومعدات وتخصيص ميزانيات كافية لذلك، حيث يوضع المال العام في محله، وفرض رقابة صارمة على المسطحات المائية الخطرة وتفعيل إجراءات الحد من الوصول إليها كاللوحات التحذيرية وإقامة الحواجز، مع تفعيل القوانين الرادعة وفرض غرامات على المخالفين ومحاسبة المقصرين، لأن استمرار المأساة دون محاسبة هو تواطؤ في القتل.
والأهم من كل ذلك، معالجة الفقر والبطالة اللذين يدفعان المواطنين إلى المجازفة بحياتهم في مياه لا ترحم.
وإلا فإن الرقم 110 سيكون مجرد بداية لقائمة طويلة من الضحايا الذين ستدفعهم الفاقة والحرمان إلى أحضان مياه لا تبالي بمعاناتهم، وقد آن الأوان لإنهاء هذا الإهمال...!

معلومات إضافية

العدد رقم:
1290