مراسيم زيادة الأجور في سورية... خطوة إيجابية ناقصة العدالة
شهدت سورية في 20 آذار 2026 صدور مراسيم تقضي بزيادة رواتب العاملين في الدولة، في خطوة منتظرة لتحسين الأوضاع المعيشية التي تدهورت بشكل كبير خلال الفترة الماضية. ولا شك أن هذه الزيادة تمثل تطوراً إيجابياً من حيث المبدأ، إذ تعكس إدراكاً رسمياً لحجم الضغوط الاقتصادية التي يعاني منها الموظفون، ومحاولة للتخفيف من آثار الغلاء المستمر.
لكن، ورغم أهمية هذه الخطوة، فإن تقييمها لا يمكن أن يكون كاملاً دون النظر إلى شرطين أساسيين: أولهما عدم استنزاف هذه الزيادة عبر التضخم وارتفاع الأسعار، وثانيهما تحقيق العدالة الاجتماعية، خاصة تجاه الفئات الأكثر ضعفاً.
بين الزيادة والتضخم
من المعروف أن أي زيادة في الرواتب، إذا لم تترافق مع إجراءات رقابية واقتصادية موازية، قد تؤدي إلى أثر عكسي.
فزيادة السيولة في السوق دون ضبط الأسعار يمكن أن تؤدي إلى موجة جديدة من التضخم، ما يفرغ الزيادة من مضمونها الحقيقي. وعليه، فإن الفائدة الفعلية لهذه المراسيم تبقى مرهونة بقدرة الجهات المعنية على:
ضبط الأسواق ومنع الاحتكار.
مراقبة الأسعار بشكل فعّال.
الحفاظ الجاد على استقرار سعر الصرف.
فبدون هذه الإجراءات، قد يجد المواطن نفسه بعد فترة قصيرة أمام واقع معيشي لا يختلف كثيراً عمّا كان عليه قبل الزيادة.
غياب المتقاعدين...الثغرة الأكبر
ورغم الإيجابية النسبية لهذه المراسيم، إلا أن استبعاد شريحة المتقاعدين بشكل كامل يشكل ثغرة كبيرة لا يمكن تجاهلها. فهذه الفئة تُعد، بلا مبالغة، الأكثر هشاشة في المجتمع، للأسباب الآتية:
اعتمادها على دخل ثابت هزيل ومحدود.
عدم قدرتها على العمل أو تحسين دخلها.
ارتفاع تكاليف الرعاية الصحية المرتبطة بالتقدم في السن.
معاناتها الطويلة من تآكل القوة الشرائية لمعاشاتها.
إن تجاهل هذه الشريحة في أي سياسة لتحسين الدخل يطرح تساؤلات جدية حول مدى شمولية العدالة الاجتماعية في هذه الإجراءات. فالمتقاعد، الذي أفنى سنوات عمره في خدمة الدولة، يجد نفسه اليوم خارج نطاق أي دعم فعلي، في وقت هو بأمسّ الحاجة إليه.
الحاجة إلى معالجة متوازنة
إن معالجة هذا الخلل لا تتطلب الاعتراف به فقط، بل تستدعي خطوات عملية وعاجلة، في مقدمتها:
إصدار مرسوم خاص بزيادة المعاشات التقاعدية.
ربط هذه المعاشات بمؤشرات غلاء المعيشة.
إقرار خدمات التأمين الصحي للمتقاعدين.
فمثل هذه الإجراءات لا تُعد مجرد استجابة مطلبية، بل هي ضرورة لضمان الحد الأدنى من العيش الكريم لهذه الفئة.
خطوة إيجابية منقوصة
يمكن القول إن مراسيم زيادة الأجور تمثل خطوة إيجابية في الاتجاه الصحيح، لكنها تبقى ناقصة من حيث الشمول والعدالة. فنجاحها الحقيقي لا يقاس بحجم الزيادة فقط، بل بقدرتها على تحسين الواقع المعيشي بشكل فعلي ومستدام، وبمدى شمولها لجميع الفئات، وخاصة الأكثر ضعفاً.
وفي هذا السياق، يبقى إنصاف المتقاعدين أولوية لا تحتمل التأجيل، ليس من منطلق اقتصادي فقط، بل من منطلق إنساني وأخلاقي أيضاً، يضمن لهذه الشريحة حقها في العيش بكرامة.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1270